مراجع خارجى
مرحبا وأهلا بكم معنا فى منتديات مراجع خارجى
وكل عام وأنتم بالف ألف خير


منتدى يهتم بنشر ثقافة الجودة فى مجال التعليم
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أم دغش قصة بقلم : مجدي جعفر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: أم دغش قصة بقلم : مجدي جعفر   الخميس أغسطس 26, 2010 5:11 pm

أم دغش
قصة بقلم : مجدي جعفر
( 1 )

بدت لنا على غير عادة النساء العربيات - و البدويات على وجه الخصوص - ممصوصة كعود قصب ، يابسة كعود حطب ، كادت الرياح أن تذروها - لولا أن اتكأت على جدار البيت وراحت تتفحصنا واحداً تلو الآخر بعينيها الضيقتين من خلف " البرقع " !
.. لم تزل آثار السفر على وجوهنا ، و الحقائب أثقلت كواهلنا ، و العرق ينز من جباهنا ، وأنوفنا .. تنظر لنا بعينين حادتين.
- " مصريون " ؟
= نعم
- " و لماذا جئتم " ؟!
= بحثاً عن لقمة العيش يا خالة .
زامت ، وضيقت ما بين حاجبيها ، وتمتمت بكلمات لم نتبينها ثم قالت :
- " من خرج من داره قل مقداره " !
ألجمتنا عبارتها ، وكدنا ننسحب ، لولا أن تذكرنا أن أصحاب البيوت يرفضون " العزاب " سُكاناً ، و كل من سألناه دلنا على " أم دغش " .
قادتنا إلى غرفة فوق السطوح - أقامتها بجوار برج للحمام - ضيقة الغرفة كزنزانة ، ارتفاعها لا يتجاوز المترين ، شباك صغير ينفذ منه الضوء بصعوبة ، نصف معتمة ، رغم قربها من الشمس ، فالشمس تكاد تلامس سقف الغرفة المصنوع من الصاج القديم الصدئ .
ما كادت أقدامنا تطأ عتبات الغرفة حتى هب هواء ساخن ، راكد ، و رائحة عفنة ، انكوت وجوهنا ، و نفرت أنوفنا .
قالت :
- " بالماء والصابون تنظفونها " ‍!
قال أحدنا :
= ولا نهر النيل ينظفها !
نظرت إليه و قالت :
- " النيل " . النيل ما عاد يجرى " !
قال ضاحكاً :
= و الله العظيم تركناه - و هو يجرى !!
نظرت إليه ، و شردت قليلاً ، ثم قالت :
- " النيل توقف من عشرين سنة " !!
.. و ما كادت تنصرف ، حتى نزعنا ملابسنا ، وفتحنا صنبور الماء ، ورحنا نغسل أرضية الغرفة وجدرانها و نغنى " مصر . مصر . مصر هي أمي ، نيلها هو دمى . شمسها في سمارى ، شكلها في ملامحى ، حتى لونى قمحي ، لون خيرك يا مصر " .

( 2 )

ما كدنا نفرغ من تنظيف الغرفة ، وصب الماء على أجسادنا ، حتى جاء ولد صغير دون العاشرة أو أكثر قليلاً . وقال :
- أمي تقول لكم لا تقربوا الحمام ؟ و" أيش " أحضرتم معكم من مصر ؟!
= أنت دغش ؟
- نعم .
راح كل ينقر على ما معه و نغنى .
= دغش . يا دغش . حلو يا دغش ..
أخذ الولد يضحك ، و يغنى معنا ، ولكنا وجمنا ، وسكتنا فجأة ، حينما رأينا أم دغش على بُعد خطوات منا ، فلم نشعر بوقع أقدامها على الأرض ، وأسرعنا إلى حقائبنا نفتحها ، و نخرج مافيها .
: فطير ، عسل نحل ، جبنة قديمة ، ...
نظرت إلى الفطير والجبنة القديمة ، و أطالت النظر إلى الفطيرة المستديرة كقرص الشمس وقت الغروب و قالت :
- " من أين أنتم في مصر " ؟ ‍
= من الشرقية .
ضحكت ، لأول مرة - نراها تضحك . و قالت :
- " أنتم اللي عزمتم القطر " !
ضحكنا و قهقهنا ، و قلنا :
= من قال لك يا أم دغش ؟ !
تناولت الفطيرة ، وبعض العسل والجبنة القديمة ، وآنستنا بإبتسامة رضا بدت في عينيها ، وريثما انصرفت رحنا نغنى :
= أنا المصري - كريم العنصرين .


( 3 )

مع قرآن الفجر تصعد أم دغش إلى السطوح ، تدخل برج الحمام ، وتبقى مع الحمام حتى شروق الشمس ، و لا ندرى إن كانت تنوح أم تهدل ، يأتي صوتها همساً أحياناً ، وزعيقاً أحياناً ، أوقاتاً تبكى وأوقاتاً تضحك ، تناغى الحمام وتلاغيه ، يقف على راحتي يديها ‍‍، و فوق رأسها ، وعلى كتفها ، يحلق حولها ، منظر جميل وبديع يبدو لنا من الشرفة الصغيرة .
.. أم دغش تلتقط حبات من الحبوب بفمها أو قطرات ماء وتلجه في منقار فرخ الحمام الصغير .. و قبل غروب الشمس تجلس معه لساعات ، و لا ندرى متى نمت العلاقة بينهم و لا كيف فقهت لغة الطير ؟!
.. فما يكاد الحمام يشعر بقدومها حتى يحلق حولها ، و يتقافز طرباً ، كأطفال صغار - يستقبلون أمهم بعد غياب ، أو كعاشق يقابل محبوبته ..
.. كنا نحترم تلك العلاقة ، ونحاول ألا نزعج أم دغش وحمامها ، ففي حال وجودها لا نصدر أصواتاً - ونلتزم الصمت المهيب ، وأم دغش - كشفت لنا الأيام - عن عصبيتها - ومزاجها الحاد ، تشتمنا أحياناً بلا سبب .. و لا يجرؤ أحد منا على الاعتراض ، و أم دغش لا تكون في حالة سوية إلا وقت وجودها مع الحمام .
تهدأ نفسها الثائرة و تستكين ، يمتص الحمام ثورتها ، و يشيع في نفسها البِشر و السرور ، و كنا إذا أردنا منها شيئاً أجلناه لبعد جلستها مع الحمام ، ففي هذا الوقت لا ترفض لنا طلباً و لا تؤخر لنا أمراً ولا تبخل علينا بشيء ، و تكون طيعة ، لينة ، هادئة .
.. أقسم أحدنا أنه رأى - أم دغش - تصنع جناحين كبيرين من ريش الحمام ، و تقيسهما على ذراعيها - و تحدانا - أن نتسلل إلى البرج في الليل - و سنرى الجناحين معلقين على الحائط ، و قال أنه لا أثر لريش أو لزغب في المكان ، و أم دغش رأيناها أكثر من مرة تنتف ريشاً وتنزع زغباً ، وقادنا زميلنا إلى صندوق الزبالة بجوار البرج - فلم نر أثراً لريش أو لزغب - هل صدقتم ؟!
قلنا :
= من يدرى .. عباس بن فرناس أول من حاول الطيران وفشل وقد تنجح أم دغش !!
( 4 )

ما كدنا نضع رؤوسنا على الوسائد حتى نهضنا فزعين على صراخ الولد دغش و طرقاته على الباب
- الحقوا أمي تضرب أبويا ؟!
صكت الكلمة آذاننا ، و تلاقت أعيننا في استنكار ، ونهضنا ، حفاة – عدونا، وبسرعة البرق وصلنا للدور الأرضي - لنرى أم دغش مُمسكة برجل مُسن ، كنا نظنه أباها - كشفت عن مؤخرته ، و أطلقت عليها خرطوم الماء ، و كانت تقرعه عليها و تشتمه و تلعن الأيام السوداء .
و الرجل المُسن منكمش كالطفل ، وعندما حاولنا أن نتدخل ، هبت فينا كالمسعورة ، وأطلقت خرطوم الماء في وجوهنا ، وراحت تسبنا ، و لا ندرى لماذا أخذت تسب المصريين و تجرى وراءنا كالمجنونة .
عرفنا فيما بعد - أن الرجل العجوز - أو الشايب كما يقولون - هو زوجها - و على هرمه لا يفيق من سكر ولا يتحكم في عملية الإخراج ، و يعملها على نفسه في الشارع أو في الفراش !!

( 5 )

كل يوم يمضى نكتشف فيه شيئاً ، و نعرف عنها جديداً ، و الجديد و المدهش هذه المرة - أن أم دغش مصرية !!
رحنا نضرب كفاً بكف - و ما كنا لنصدق أنها مصرية - لولا أن أكد لنا دغش أنها مصرية مائة بالمائة و أننا أخواله !
انتظرنا أم دغش قبل أن تدخل البرج و قلنا لها :
= لماذا تكرهين المصريين وأنت مصرية ؟ !
كان الحمام يحلق حولها ، و يحط على رأسها و كتفيها ، كعادته عندما تهل ، أمسكت بحمامة ، وراحت توشوشها بكلمات لم نتبينها ، ثم أطلقتها ، فانطلقت الحمامة ، و استدارت إلينا و قالت:
- كل يوم - من عشرين سنة - و أنا أُحمل حمامة رسالة أبعث بها إلى مصر ، و كل يوم أنتظر ، لا الحمامة تعود و لا الرد يصل !!
و تركتنا أم دغش و دخلت ، وأغلقت الباب ، جلسنا بجوار البرج نحاول أن نصغي لبوح أم دغش للحمام .
سرب من النمل يحمل كسرة خبز جافة ويتحرك صوب البرج ، سمعنا تحذير النملة لزملائها من سليمان وجنوده في قرآن المغرب الذى يُتلى بالمسجد القريب ، وحديث الهدهد ، والجان ، والرجل الذى عنده علم ، وأبداً أبداً لم نتبين حديث أم دغش للحمام !

( 6 )

قالت أم دغش :
-" باعوني أولاد الـ ... "
= ..................
- " أبويا ، و العمدة ، و المأذون ، ، و طبيب الصحة ، و شاهدا العقد ..........
= ..................
- " قبضوا الثمن ورموني للقيظ والحر والصحراء والبداوة والحياة القاسية ، و رجل مزواج ، فارغ العينين ، يكبر أبى سناً ، ويقارب جدي في العمر " !
= ....................
- " عشرون عاماً عشتها معه ، ما شفت فيها راحة " !
" كنت أتمنى أن آكل يوماً وأجوع يوماً في مصر ، أرقد في عشة على النيل مع بائع فجل أو سائق عربة حنطور أو أعيش عمري كله عانساً بدون زواج " !
= ..................
-" امرأة جاهلة مثلى ، إذا خرجت أبعد من ها الشارع تتوه " !
= ......................
- " كانت رسائلي - عبر الحمام - فلولاه لمت كمداً - ما تركت أحداً في مصر إلا بعثت له برسالة - حتى أولياء الله الصالحين " .
مرة نمت - و دموعي على خدي - حلمت أنى حمامة - ظللت أطير وأطير ، حتى رأيت النيل ، هبطت فرحانة - أبل ريقي ، صحوت - على صوت الولد دغش وهو يبكى، حضنته ، وجلست أبكى ، وخلعت غطاء رأسي ودعوت على الذين كانوا السبب - و من ذاك اليوم - وأنا عندي أمل أعود إلى مصر وأشرب مرة أخرى من النيل !!

( 7 )

على غير عادتنا رجعنا من الشغل مبكرين ، لنسمع ونحن في أول الشارع صراخ أم دغش ، ونحيبها وعويلها ، ارتعدت فرائصنا ، ووجلت قلوبنا لما رأينا الولد دغش ملقى على الأرض يغوص في دمه ، شقت جلبابها ، ولطمت خدها و عفرت وجهها بالتراب .
قال صبى صغير للعسكري :
- التقطت أرقام السيارة.
قالت امرأة :
- كان السائق هندياً يقود بجنون !
بصعوبة بالغة خلصنا الولد دغش من أمه التي احتضنته بهستريا ، وحمله أحدنا إلى الداخل ، وحملنا أم دغش عُنوة ، وصعدنا بها إلى السطوح .. أدخلناها برج الحمام و أغلقنا عليها ، سمعنا نوح الحمام و بكاءه .
وفى اللحظة التي كان يخرج فيها دغش مُحملاً في النعش ، كانت أم دغش تقف على قمة البرج ، تلبس الجناحين ، يغطى الريش والزغب مناطق كثيرة من جسمها العاري ، وحولها الحمام يحلق و ينوح - و بينما الناس تتأهب للسير بالنعش - صحنا فيها :
= ارجعي .
ارجعي يا مجنونة !!




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
أم دغش قصة بقلم : مجدي جعفر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مراجع خارجى  :: القسم الأدبى :: القصة القصيرة-
انتقل الى: