مراجع خارجى
مرحبا وأهلا بكم معنا فى منتديات مراجع خارجى
وكل عام وأنتم بالف ألف خير


منتدى يهتم بنشر ثقافة الجودة فى مجال التعليم
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الخميس أغسطس 26, 2010 5:25 pm

تنفرد منتديات ( مراجع خارجي ) بنشر أبحاث مؤتمر ( أصوات معاصرة ) الذي سوف يعقد يوم 27|9|200 بمركز النيل للإعلام بالزقازيق - بجوار مركز سوزان مبارك للطفل - أمام الثانوية العسكرية -

أصوات معاصرة



ثلاثون عاما من الإبداع




مؤتمر أصوات معاصرة الأول
د. حسين على محمد
العاشق والوردة

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: كلمة أمين عام المؤتمر   الخميس أغسطس 26, 2010 5:28 pm

كلمة أمين عام المؤتمر
هذا المؤتمر
بقلم : مجدي جعفر

نعترف أن هذا المؤتمر قد تأخر كثيرا، فأصوات معاصرة التي أسسها الشاعر والناقد المعروف الدكتور حسين علي محمد والتي صدر منها مائتان وعشرون كتابا في الشعر والقصة والمسرحية والرواية والنقد لأدباء من شتى أقاليم مصر وكُتّاب من معظم أنحاء الوطن العربي، قد صارت من أهم السلاسل في مصر والوطن العربي، ورغم قلة الإمكانيات، ورغم الفقر في الشكل والتواضع في الإخراج الذي صاحب البدايات، إلا أنها قدمت أعمالا غاية في الأهمية وقدمت للساحة أسماء تنشر لأول مرة، وضخت في شرايين الحياة الثقافية والأدبية دماء جديدة، وأصوات معاصرة التي تركت خلفها ثلاثين عاما ، لم تكن الطرق مُعبدة أمامها، بل صادفت عقبات كثيرة ورحلة طويلة من الصعود والهبوط، والنجاحات والإخفقات، وقد كشف مؤسسها عن طرف خفي من معاناته وإحباطاته الكثيرة وأفراحه القليلة في رحلته مع " أصوات معاصرة " في شهادة له بمؤتمر ديرب نجم الأول والذي قبل رئاسته مُرغما، فكان رحمة الله عليه عزوفا عن مثل هذه المُسميات التي يتصارع عليها من هم دونه قامة، لا يحب الأضواء ولا يسعى إلى الشهرة، ولا يرتاد ندوات النميمة، ونعيد نشر هذا المقال في هذا الكتاب بديلا عن شهادته الكاملة على تجربة أصوات الرائدة والتي انتظرتها منه قبل أن يباغتنا بالرحيل.
قبل دخوله المستشفى العسكري بالرياض، كنا قد انتهينا تقريبا من معظم أبحاث المؤتمر، وأرسل لي عن طريق الدكتور صابر عبدالدايم ألفين من الجنيهات للبدء في التنفيذ، وكان العنوان الرئيس المتفق عليه، " أصوات معاصرة " : ثلاثون عاما من الإبداع، ويُقام في 6|8|2010، ولكن الله أراد ولا رد لقضائه، أراد أن يختاره إلى جواره، ونقدم هنا ملف عنه يحمل اسم ( العاشق والوردة ) وقد أحصينا مئات الدراسات النقدية التي تناولت إبداعه الشعري والمسرحي والقصصي والنقدي، ووصلتنا عشرات الشهادات عنه كتبها أبناء جيله وتلاميذه ومريدوه ومحبوه، والعديد من الحوارات التي أُجريت معه، وشعراء كثيرون بعثوا بقصائد يرثون مُعلما ورائدا وشاعرا وناقدا وإنسانا نبيلا وجميلا، مخلصا أتمنى أن ننشر كل حرف تناول حسين علي محمد شاعرا أو أديبا أو ناقدا أو مسرحيا أو إنسانا، ولكن كما يقول المثل : العين بصيرة، واليد قصيرة، ونقلا عن أمانة المؤتمر، والتي هي في حالة انعقاد دائم منذ أن باغتنا بالرحيل، أنها تتخذ التدابير الكفيلة بتخليد اسمه وإعادة نشر إنتاجه الأدبي بما يليق به ونشر كل ما كُتب وما سيُكتب عنه سواء عن طريق هيئات النشر الحكومية أو من خلال " أصوات معاصرة ".
بقى أن نشكر كوكبة النقاد، الذين تحمسوا لدراسة بعض الكتب التي صدرت عن " أصوات معاصرة "، وهي دراسات جادة ورصينة، اهتمت بالجوانب الفنية، والتشكيلات الجمالية، وقد أعاد هؤلاء النقاد الجادون الإعتبار لمؤتمرات اليوم الواحد ، الذي غلب عليها في السنوات الأخيرة النفاق والشللية مما أصابها في مقتل!
ففي المحور الأول وهو ملف نقدي وإبداعي عن الشاعر والناقد حسين علي محمد أعده مجدي جعفر ومحمود الديداموني بعنوان ( العاشق والوردة ) كتب فيه الروائي الكبير محمد جبريل والراحل الدكتور علي عشري زايد، والدكتور أحمد زلط، والدكتور صابر عبدالدايم، أحمد فضل شبلول، وعلي الغريب، وشريف صالح، محمد سليم الدسوقي، د. نادر عبدالخالق، وإبراهيم حمزة، د. أحمد يوسف، و جمال سعد ـ وفرج مجاهد، مجدي جعفر و آخرون، والمحور الثاني بعنوان المسرح في أصوات معاصرة وفيه قدم الدكتور نادر عبدالخالق دراسة بعنوان ( الشخصية المسرحية - مسرح أصوات معاصرة أنموذجا ) من خلال مقاربته لمسرحيات : ( طز .. طر) لكامل الكفراوي و( المضحكة ) لعلي الغريب و( الثائر والبركان ) لمحمد سعد بيومي و( عودة أصحاب الرءوس السود ) لعبدالله مهدي.
وفي المحور الثالث وهو عن القصة القصيرة في أصوات معاصرة كتب سمير الفيل عن ( الصراع في قصص مصرية معاصرة ) من خلال مقاربته لخمس مجموعات قصصية لحسين علي محمد، محمد الحديدي، ووائل وجدي، وسلوى الحمامصي، حسني سيد لبيب. وكتب أيضا الناقد إبراهيم حمزة دراسة بعنوان ( السرد المصني – قراءة في أعمال قصصية ) عن خمس مجموعات أُخر لمحمد حجاج وعنتر مخيمر وسهام العربي وأحمد عبده وهيام صالح
والمحور الرابع وهو عن الشعر في أصوات معاصرة وفيه كتب الدكتور محمد سالمان عن ستة دواويين شعرية من إصدارات أصوات معاصرة تحت عنوان ( البنية الإيقاعية – دراسة في دواويين شعرية – دراسة وصفية ) للشعراء سعيد عاشور، يوسف عبدالعزيز، ليلى العربي، إكرامي قورة، بدر بدير، صابر عبدالدايم. وتحت عنوان ( ثنائية الصراع – حتمية المواجهة )كتب محمود الديداموني دراسة عن ديوان " ما بيننا " للشاعر عماد علي قطري.
والمحور الخامس وهو جديد إلى حد ما وغير معتاد في المؤتمرات وهو نقد النقد وفيه تعرض الناقد صبري قنديل بالنقد لناقدين من نقاد أصوات معاصرة من خلال كتبهما التي صدرت عن أصوات وهما الناقد الكبير الدكتور حسين علي محمد والناقد الشاب ثروت مكايد التي قدمته أصوات معاصرة للساحة الأدبية كناقد من خلال ستة كتب نقدية لحسين علي محمد وخمسة كتب لثروت مكايد بينما اكتفى الصديق عبدالله مهدي بتقديم عروضا جيدة لبعض الكتب التي صدرت عن أصوات ونثر قطرات الضوء حولها وهذه الكتب من وجهة نظر الباحث قياسا بجودة الإبداع تستحق الذيوع والانتشار ويستحق أصحابها أن يكونوا في الصدارة .
والمحور السادس وهو خاص بالمكرمين وفيه يتم تكريم من كُتّاب أصوات الشاعر الشاب الموهوب أحمد حسن والذي فاز مؤخرا بجائزة البابطين عن ديوانه ( مدينة شرق الوريد ) والشاعر بدر بدير حسن وهو واحد من مؤسسي أصوات معاصرة والشاعر الكبير محمد سليم الدسوقي الذي كتب ما يزيد عن العشرين ديوانا ونوقشت عنه مؤخرا دراسة ماجستير بكلية اللغة العربية بالزقازيق ونكرم أيضا اسم الشاعر الراحل عبدالله السيد شرف وقد كتب عنه الصديق وائل وجدي، ووائل من محبي الشاعر الراحل ومريدية وقد كتب عنه كتابا كاملا صدر عن الهيئة العامة للكتاب .
ونعتذر لمن تم تأجيل بحوثهم للمؤتمر القادم، نظرا لضيق المساحة ولرحيل الدكتور حسين المباغت وتقديم ملف عنه أخذ المساحة المحددة سلفا لهذه البحوث.
بقي أن نشير أيضا أن هناك محورين مهمين عن الرواية وشعر العامية في "أصوات معاصرة " تم تأجيلهما للمؤتمر القادم حرصا من أمانة المؤتمر على أن يأخذا حقهما من الدرس والتحليل.
ونعلن أن " أصوات معاصرة " مستمرة في الصدور، فقد نجح مؤسسها رحمة الله عليه أن يجعل منها عملا مؤسسيا لا فرديا ينتهي بموت صاحبه، وأن هذا المؤتمر سيُقام مرة كل عامين وكل ماصدر عن " أصوات معاصرة " ولم يُدرس في هذا المؤتمر سيتم دراسته في المؤتمرات اللاحقة وكل ما سوف يصدر عن أصوات سيكون له حظا من الدرس والتحليل.
ونشكر الدكتور عبدالله الحيدري الأستاذ بكلية اللغة العربية بالرياض بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الذي حرص على المشاركة في هذا المؤتمر بورقة نقدية، وشكر خاص للدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيع وكيل كلية اللغة العربية السابق بجامعة الإمام والذي يحرص على صدور كتبه من خلال أصوات وكان من المقرر الاحتفاء به في هذا المؤتمر كناقد عربي كبير، ولكن مرض الدكتور حسين وموته المباغت وتغيير موعد المؤتمر حال بينه وبين الحضور، ونأمل أن يكون المؤتمر المقبل أكثر مناسبة لتكريم هذا الرائد العظيم .
وإلى روح أستاذي الطاهرة نهدي هذا المؤتمر، ونأمل أن نكون عند حُسن الظن وعلى مستوى الثقة ومن الله التوفيق.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: كلمة رئيس المؤتمر   الجمعة أغسطس 27, 2010 3:19 pm

كلمة رئيس المؤتمر
عرس أصوات معاصرة
بين شجرة الحلم الواعد وحدائق الصوت الغناء
بقلم أ. د / أحمد زلط
كيف تتجاوز أقطار السموات ؟! .. وكيف تعانق النجوم وتحدق في صفحات الضياء القمرية ؟! وكيف تمسك شعاع الحرف في خط مواز لانتشار شمس الله الساطعة بالشروق والعطاء ؟!.. إنها سلسلة " كتب أدبية متخصصة من وراء صيرورتها شاعر وباحث وهب جل حياته لذيوع رسالة الحرف = الشهادة وهو الشاعر المعروف " حسين على محمد " .
في منتصف سبعينيات القرن الماضي جمعنا اللقاء الأول ونحن في طوابير الجوائز لدى الهيئات الثقافية .. كل الأنواع الأدبية في كل المسابقات الأدبية حصدناها معا وقيمتها المادية وقتذاك مضحكة ( من 3 إلى 7 جنيه مصري !! ) اتذكر عشرة جنيهات كاملة عن مركز أول الجامعات المصرية جاء من نصيبي عام 1978م !! الأهم في حروفي امتداد الحب بيننا إلى احتفالية اليوم المدهش في شخصية الرجل + الرسالة أنه أكرم من حاتم بأحاد الجنيهات القليلة جدا بدأ مشروع سلسلة " أصوات معاصرة " في شارع المكتبات ومن ديرب نجم يطبع السلسلة بنظام التصوير في مراحله الأولى ثم الماستر إلى أن بلغت السلسلة مجدها بالطباعة الملونة " الأوفست ".
قدم حسين على محمد رسالة الأدب على أولويات الحياة ، بيته وأسرته ، بل عائلته ، وكان المردود تقديم عشرات الأصوات من عائلة الأدب من كل أرجاء مصر ، الأصوات الراسخة والجيدة والشباب كذلك . لن أتحدث عن أسماء فالمطبوعات بين أيدينا اليوم تعبر عن ذلك ، واليوم يوم المؤتمر يوم مشهود للاحتفال برائد أسس وأشرف على " أصوات معاصرة " وأكرر برائد لأن عطاء السلسلة الأدبي المتنوع يعكس العطاء غير المسبوق وقد سبق أن ذكرت على الملأ في نادي " ميت غمر الأدبي" أن المجهود المتواصل لأصوات معاصرة لرائدها : حسين على محمد يمثل مؤسسة فردية خلاقة ، ولأن الحب = الرسالة دون أدنى ربحية كان غاية أسرة " أصوات معاصرة من المستشارين والمحررين ، فقد آن الأوان للحصاد = التكريم وقد بلغ نهاية العقد السادس من عمره المديد ، وإلى مزيد من الحب لرسالة الحالم أبدا .. المغرد في حدائق الصوت شأن كل محب أثرى الحياة وقدم نبض الأدباء الأحياء وهنا يقول الشاعر :
إن نفسا لم يشرق الحب فيها هي نفس لم تدر ما معناها
أنا بالحب قد وصلت إلى نفسي وبالحب قد عرفت الله
واسلمي يا مصر وسلمت دوما " أبا محمد " .

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
جمال سعد محمد
المدير العام
المدير العام
avatar

عدد المساهمات : 263
تاريخ التسجيل : 04/08/2010
العمر : 50

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الإثنين سبتمبر 06, 2010 2:15 pm

الاستاذ الفاضل الكاتب والناقد الكبير الاستاذ مجدى جعفر
خالص الشكر والتقدير
على جهودكم البناءة
وكل الدعاء بالتوفيق فى مؤتمركم
ورحم الله الاستاذ الدكتور حسين على محمد
واسكنه فسيح جناته فقد كان نعم الاب والاستاذ والمعلم
وحالص الشكر لكل الجهود المخلصة

_________________
شكري كفعلك فانظر في عواقبه تعرف بفعلك ما عندي من الشكر
من لايشكر الناس لا يشكر الله
[size=18][/size]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://morage.yoo7.com
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 12:44 pm

شكرا للأديب والناقد الأستاذ جمال سعد على مروره الكربم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 12:47 pm

" أصوات معاصرة " .. تجربة رائدة
من النشر الورقي .. إلي النشر الإليكتروني(1)
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
البداية
كنا نعرف معاناة الأدباء الشبان – منذ الستينات إلى السبعينات – وأن فرص النشر تضيق، وأنها صارت أشبه "بثقب الإبرة"، ومن ثم فعلينا أن نشعل شمعة وحيدة صغيرة، فهذا أفضل ألف مرة من سب الظلام!
بعد تجربة إشرافي على سلسلة "كتاب آتون" التي استمرت تسعة أشهر، قررت أن أصدر سلسلة بعنوان "أصوات"، وصدر العدد الأول في إبريل 1980م، يحمل عنوان "أصوات"، وتحته بخط أصغر منه "شعرية، فصلية، معاصرة".
وصدر العدد في 500 نسخة، وعن طريق التوزيع اليدوي لأصدقاء في طنطا والزقازيق وبور سعيد وأسوان ومكتبة مدبولي بالقاهرة .. وزعنا أكثر من 300 نسخة وعرفنا أننا بهذه الطريقة – طريقة التوزيع اليدوي عن طريق الأصدقاء الأدباء – استطعنا أن نوزع أكثر مما كانت توزعه المؤسسة الصحفية التي كانت تُوزع لنا «كتاب آتون»؛ فقد كنا نطبع "كتاب آتون" في ثلاثة آلاف نسخة، وكان ما يباع منه يدور في دائرة المائة نسخة !!) .
وصدر العدد الثاني في أكتوبر 1980م يحمل عنوان «أصوات معاصرة» ولكنه طبع بطريقة "الماستر (التصوير الطباعي) لنقلل في النفقات.
وقد طبع العدد الأول في 500 نسخة تكلفت 33جنيها في دار العلم للطباعة بالقاهرة
وطبع من العدد الأخير ( العدد 91) 500 نسخة تكلفت 850 جنيها في دار الإسلام للطباعة بالمنصورة، (كتاب «الرؤية الإبداعية في شعر عبد المنعم عواد يوسف»)، وهذه هي فروق الطباعة خلال ثلاثة وعشرين عاماً من عمر "أصوات معاصرة".
قبلي .. وبحري
صدرت "أصوات معاصرة" من ديرب نجم (الشرقية)، وشاركني مهمة إصدار العدد الأول: محمد سعد بيومي (بورسعيد)، ومن العدد الثاني وبامتداد خمسة عشر عاماً شاركني الراحل عبد الله السيد شرف (الغربية)، ومنذ العدد الخامس شاركنا مهمة الإصدار: د. صابر عبد الدايم ود. أحمد زلط والفنان أحمد مخيمر (الشرقية).
ورغم أن "أصوات معاصرة" لنشأتها ولكثرة المشاركين من الشرقية تعد إحدى مجلات محافظة الشرقية، إلا أنها تحررت من هذه الصفة حينما أصدرت مطبوعاتها التي نشرت لأدباء مصر دون تمييز، فهي قد أصدرت دواوين شعرية لعبد الله السيد شرف (طنطا)، ونبيه الصعيدي (الزقازيق)، ونعمان الحلو (أسوان)، وجميل محمود عبد الرحمن (سوهاج)، وعزت الطيري (قنا)، وأحمد فضل شبلول وفوزي خضر (الإسكندرية)، ومحمد يوسف (المنصورة) .. بل إنها نشرت لشاعر شاب سعودي هو مقعد السعدي (من الرياض) وهو من المواهب التي تذكرك بعبقرية عبد الله البرد وني الإبداعية، كما نشرت للدكتور خليل أبو ذياب (من فلسطين).
ونشرت مجموعات قصصية لحسني سيد لبيب (الجيزة)، وإبراهيم سعفان (القاهرة)، وأحمد زلط ومجدي محمود جعفر، وأحمد عبده (الشرقية) .. وغيرهم .
وبهذا لم تكن "أصوات معاصرة" محلية، أو مغرقة في محليتها، ولكنها كانت سلسلةً مفتوحة للإبداع الأدبي والثقافي.

إبداع متنوع .. ودراسات
رغم أن دورية " أصوات معاصرة " صدرت ـ في الأساس ـ لتكون كتابا فصليا للشعر، إلا أنها بعد أعداد قليلة أصدرت مجموعة حسني سيد لبيب الأولي "حياة جديدة". وعلى الرغم من أنه نشر قصته الأولي "شيء أخضر" في مجلة "الآداب" البيروتية عام 1963م، فإنه لم يصدر مجموعته الأولي إلا في "أصوات معاصرة" عام 1981م، وأصدرت له "أصوات معاصرة" مجموعة أخري بعد سبعة عشر عاما هي "كلمات حب في الدفتر" في طبعتها الثانية.
وفي الإبداع القصصي والروائي نشرت "أصوات معاصرة" لإبراهيم سعفان، وأحمد زلط، ومجدي محمود جعفر، وبدر بدير، ووائل وجدي، وسامية حسين على (نشرت لها مجموعة قصصية هي «الحكم الأخير» نشراً إلكترونياً)، ومحمد جبريل (نشرت لـه قصة قصيرة مطولة هي "رسالة السهم الذي لا يخطئ" نشراً إلكترونياً).
ونشرت مسرحيات شعرية ونثرية لحسين على محمد، ومحمد سعد بيومي، وعبد الله مهدي، وعلي الغريب.
ونشرت عدداً من الدراسات في كتب تكريمية تحمل عنوان "ملف نقدي وإبداعي" عن كل من: مصطفي النجار، وأحمد سويلم، ومحمد يوسف، وحسين على محمد، وأحمد فضل شبلول.
كما نشرت كتابا عن عالم سعد حامد القصصي لإبراهيم سعفان، وعن سفير الأدباء وديع فلسطين لحسين على محمد، وأربعة كتب عن محمد جبريل: الكتابان الأولان لمجموعة من الباحثين والثالث عن فلسفة الحياة والموت في روايته "الحياة ثانية" للباحثة الجزائرية نعيمة فرطاس ، والرابع عن مصر التي في خاطره لحسن حامد.
ونشرت كتاباً تكريميا عن بدر بدير بعنوان "شعر بدر بدير: دراسة موضوعية وفنية" من تحرير حسين على محمد، ويضم بحوثا بأقلام: د. حسين على محمد، د. صابر عبد الدايم، ود. خليل أبو ذياب، د. فرج كامل سليم، ومجدي محمود جعفر، وفرج مجاهد عبد الوهاب.
كما نشرت كتاباً تكريميا عن عبد المنعم عواد يوسف بعنوان "الرؤية الإبداعية في شعر عبد المنعم عواد يوسف" يضم دراسة مطولة عن أحد دواوينه للدكتور خليل أبو ذياب، وثلاثة دراسات للدكتور حسين على محمد، وحواراً معه أجراه ابنه الشاعر بهاء عواد.
وفي الطريق ثلاثة كتب في تكريم الشاعر صابر عبد الدايم، والشاعر محمد سليم الدسوقي، والروائي العربي الكبير عبد السلام العجيلي.
ومن الدراسات التي نشرتها "أصوات معاصرة" ثلاث دراسات لكاتب هذه السطور هي:
1- شعر محمد العلائي: جمعاً ودراسة.
2- المسرح الشعري عند عدنان مردم بك.
3- البطل في المسرح الشعري المعاصر (ط2).
والكتاب الثاني هو رسالة الماجستير للمؤلف، بينما الكتاب الثالث هو رسالة الدكتوراه.
كما نشرت للدكتور أحمد زلط كتابا بعنوان "تراجم أدبية مصرية وعربية"، ونشرت كتاباً للدكتور صابر عبد الدايم بعنوان "القصة القصيرة المعاصرة: دراسة ومختارات" عني فيه بتقديم نحو ثلاثين كاتباً للقصة القصيرة العربية الآن.
اهتمام عربي
رغم أن "أصوات معاصرة" أصدرت حتى الآن (97) سبعة وتسعين عدداً، فإن الاهتمام العربي أخذ من إصداراتها ثمانية أعداد فقط.
1-فقد أصدرت كتاباً بعنوان "قصائد عربية" ضم قصائد لشعراء مصريين وعرب.
2-وأصدرت كتاباً عن "الأدب السعودي 1- الشعر". ( وكان في النية إصدار كتاب ثان عن النثر السعودي ).
3-أزاهير الرياض، حوار مع المفكر العربي السعودي الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع، أجراه الروائي والقاص عنتر مخيمر.
4-إطلالة البوح، ديوان شعري لمقعد السعدي.
5-صلوات في هيكل الحب، قصيدة لأبي القاسم الشابي (قصيدة ـ نشرت على الإنترنت فقط).
6- هوامش على دفتر النكسة، لنزار قباني (قصيدة ـ نشرت على الإنترنت فقط).
7- أدب المهجر الشرقي، للدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع.
8-الدكتور محمد الربيع: سيرة وتحية (كتاب تكريمي بقلم النقاد والمحاورين)، إعداد : محمد عبد الواحد حجازي.
ونسبة ثمان في المائة نسبة جيدة، إلا أننا نتمنى أن تكون النسبة في المائة الثانية (التي ستبدأ بعد عددين) أكثر من عشرين في المائة، والله المستعان.
أعمال أولى
من مزايا "أصوات معاصرة" أنها قدمت الأعمال الأولى لاثني عشر أديبا، هم:
1-عبد الله السيد شرف: "العروس الشاردة" ( ديوان شعر).
2- نبيه الصعيدي:" تجليات اللحظة المنفردة" (ديوان شعر).
3-نعمان الحلو: "أغنية لوجه ملائكي" (ديوان شعر).
4-محمد سليم الدسوقي: "أصداء حائرة" (ديوان شعر)، أعاد إصداره بعد تسعة عشر عاماً بعنوان "صلوات على زهرة الصبار".
5-سعيد أحمد عاشور: "بداية وقوفي" ديوان شعر).
6-حسني سيد لبيب: "حياة جديدة" ( مجموعة قصصية).
7-أحمد زلط :" وجوه وأحلام " ( مجموعة قصصية).
8-مجدي محمود جعفر: "أصداء رحلة شاب على مشارف الوصول" (مجموعة قصصية).
9-مقعد السعدي:" إطلالة البوح " ( ديوان شعر).
10-عبد الله مهدي: "إضراب عمال الجبانات" (ثلاث مسرحيات قصيرة).
11-سامية حسين على: "الحلم الأخير" (مجموعة قصصية ـ نشرت على الإنترنت فقط).
12-عزت الطيري: "تنويعات على مقام الدهشة" (ديوان شعر).
وهذا معناه أن ثمن إصدارات "أصوات معاصرة" ( أي 12,5%) مخصص لتقديم الأصوات الجديدة.
عثرات مالية قليلة
استطاعت مبيعات "أصوات معاصرة" أن تضمن استمرار صدورها، وكان ما يُباع منها عن طريق الأصدقاء، وبعض المكتبات في القاهرة (مثل مكتبة دار العربي (بالقصر العيني)، ومكتبة مدبولي بالقاهرة) وعن طريق ناشر في القاهرة (الشركة العربية)، وناشر في الإسكندرية (دار الوفاء لدنيا الطباعة) .. كان ما يباع كافياً للاستمرار في الصدور.
ولقد وصلت بعض أعداد منه لبلاد كثيرة في الوطن العربي. ( أذكر أن الدكتور عبد العزيز المقالح الشاعر المعروف ومدير جامعة صنعاء أخبرني في لقاء معه بصنعاء عام 1988م أنه قرأ بعض أعداد "أصوات معاصرة"، وأنه حريص على قراءة ما يصله منها، وأن الدكتور (فلان) أستاذ الأدب بالجامعة يحضر لي ما تعرضونه منها عند مدبولي. كما ذكر لي بعض زملاء سعوديين ومغاربة أنهم يقتنون بعض أعمال "أصوات معاصرة" التي اشتروها من معارض الكتب بالقاهرة، وذكرت لي إحدى تلميذاتي (في مرحلة الماجستير) بالرياض أنها اشترت بعض إصدارات "أصوات معاصرة" من معرض أقيم منذ عدة أشهر في الإمارات).
لكن بعض الأعداد خسرنا فيها خسارة فادحة، ومنها ذلك العدد الذي حمل عنوان "ملف الأدب السعودي" الذي طبعناه في ألفي (2000) نسخة، ولكن الزميل الذي كلف بمراجعة العدد طباعيا لم يقم بدوره، مما جعل العدد يمتلئ بالأخطاء الفاحشة فلم نعرضه للبيع رغم أنه تكلف (5700جنيه).
لكننا منذ عامين بعد اشتراك جيل جديد في حمل العبء يمثله: مجدي محمود جعفر، وعلى الغريب، وسعيد عاشور .. نحاول أن نتلافى أمثال هذه العقبات المالية الطارئة، عن طريق التوزيع، وعن طريق مشاركة مالية لبعض من ينشر لهم.
من الورق .. إلى الإنترنت
في مطلع يوليو 2002م أسسنا موقعاً لنا على الإنترنت، فيه قائمة إصداراتنا، وفيه قائمة لأدباء مصريين قاصين ومسرحيين وشعراء ولكل منهم عمل بدءاً من أحمد شوقي، وله في الموقع قصيدة "عمر المختار" مشروحة، وانتهاء بعبد الله مهدي وله نص مسرحي قصير بعنوان "الحلم".
وفي قائمة أدباء عرب نحو عشرين أديبا، منهم: عمر أبو ريشة، أبو القاسم الشابي، نزار قباني، غازي القصيبي، عبد القدوس أبو صالح، خالد اليوسف … وغيرهم.
وفي جديد الموقع ننشر كل شهر ثلاثة موضوعات جديدة، تنتقل بعدها إلى الأرشيف، وفي جديد هذا الشهر قصيدة للعلامة الشيخ الشعراوي في مديح طه حسين.
والجديد في النشر أننا ننشر أعمالاً مدرجة في خطتنا للنشر نشراً إلكترونياً فقط، ومنها:
1-رسالة السهم الذي لا يخطئ – قصة – لمحمد جبريل.
2-30 قصة قصيرة جدا – لمجموعة قاصين.
3-الحكم الأخير – مجموعة قصص – لسامية حسين على.
4-هوامش على دفتر النكسة – قصيدة – لنزار قباني.
5-الحلم – مسرحية – لعبد الله مهدي.
... وغيرها.
ونأمل أن نصدر عملا كل شهر على الإنترنت بجانب إصداراتنا الورقية، فالإنترنت لغة العصر، ولابد لنا من أن نجيدها وإلا صرنا أميين في هذا العصر الذي صارت فيه بلدان العالم قرية كونية واحدة.

ندوات «أصوات معاصرة»
أقامت "أصوات معاصرة" عدداً من محدداً من الندوات لا يتجاوز العشر، منها ندوة أقيمت في ديرب نجم لمناقشة مسرحية "أخناتون" لأحمد سويلم (نشرت فيما بعد في كتاب عن أحمد سويلم أصدرته "أصوات معاصرة" وشارك فيها: د.صابر عبد الدايم، عبد العال الحمامصي، د. حسين على محمد، عبد اللطيف زيدان).
وندوة عن التجديد في الأدب: قصيدة النثر نموذجاً في منزل عبد الله السيد شرف بالغربية (صناديد)، حضرها: د. حامد أبو أحمد، د. صابر عبد الدايم، محمد جبريل، ولفيف من أدباء مصر.
وندوة في قصر ثقافة الزقازيق لمناقشة ديوان "غناء الأشياء" لحسين على محمد، حضرها مشاركاً د. أحمد زلط، د. عبد السلام سلام، بدر بدير، وأدارها الروائي: بهي الدين عوض .
وندوة رابعة في قصر ثقافة الزقازيق لمناقشة ديوان "المرايا وزهرة النار" للدكتور صابر عبد الدايم، قدمها: بهي الدين عوض، وناقش الديوان: د. أحمد زلط، د. حسين على محمد.
لكن الجدير بالذكر أن معظم الكتب التي صدرت في سلسلة "أصوات معاصرة" أقيمت ندوات لمناقشتها، في بيت ثقافة دير ب نجم، أو صالون الدكتور صابر عبد الدايم، أو مركز إعلام الجنوب بالزقازيق، أو قصر ثقافة الزقازيق.
مع " أصوات معاصرة " بأقلامهم
كتبت أكثر من (500) مقالة نقدية عن إصدارات "أصوات معاصرة" يمكنها أن تشكل كتاباً ضخماً في ثلاث مجلدات، ولا يمكننا أن نعدد هؤلاء الذين شجعوا "أصوات معاصرة" جميعاً، ويكفي أن ندلل مثلاً على الحفاوة النقدية بنموذجين:
الأول: أن القاص والروائي مجدي جعفر أصدر مجموعة قصصية بعنوان "أصداء رحلة شاب على مشارف الوصول"، ورواية بعنوان "أميرة البدو"، وكلتاهما من منشورات «أصوات معاصرة» فكتبت عنها مقالات نقدية، جمعتها جماعة "أصوات جديدة" بميت غمر ونشرتها في كتاب تزيد صفحاته عن مائة صفحة.
الثاني: أن مجموعاتي الشعرية ومسرحياتي التي صدرت في سلسلة "أصوات معاصرة"، كتبت عنها نحو أربعين مقالة، يضمها ملف ضخم.
وهكذا فقد استقرت تجربة "أصوات معاصرة" بعد ثلاثة وعشرين عاماً، وأصبحت مطبوعاتها المميزة في الإبداع الأدبي والدراسات تجذب القراء والدارسين؛ فقد أعد الباحث السعودي فواز بن عبد العزيز اللعبون رسالة ماجستير في أكثر من (400) صفحة عن "شعر عبد الله السيد شرف: دراسة موضوعية وفنية"، ووازن شعره بشعر بدر بدير، وكلا الشاعرين من جماعة «أصوات معاصرة»، وقد تناول الدارس في رسالته تجربة " أصوات معاصرة" تناولاً نقدياً رائعاً.
ويُمكننا في النهاية أن نقول: لقد أصبحت تجربة "أصوات معاصرة" بستاناً كثير القطوف، وما كان ذلك ليتم لولا النقاد والقراء الذين آزروا تجربتنا وشجعونا وتغاضوا عن هفواتنا، ومن الله التوفيق والسداد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نشر في كتاب «بحوث مؤتمر القصة القصيرة الأول» بديرب نجم، أغسطس 2002م، دار الإسلام للطباعة، المنصورة 2002م. وكانت هذه الشهادة قد أُلقيت في المؤتمر الأول للقصة القصيرة ـ ديرب نجم 2002م.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 12:48 pm

نصيب الأدب في المملكة العربية السعودية
من سلسلة " أصوات معاصرة" المصرية
(ورقة مقدّمة إلى احتفال أصوات معاصرة بمرور ثلاثين عاماً على إنشائها ، مصر ـ الزقازيق ، أغسطس2010م/ شعبان 1431هـ)

بقلم: د.عبدالله الحيدري*

أيها الإخوة والأخوات : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وتحية لجمعكم الكريم ، ويطيب لي في المستهل أن أتقدم بالشكر والتقدير لسعادة الأستاذ الدكتور حسين علي محمد ، ولسعادة الأستاذ الدكتور صابر عبدالدايم على توجيه الدعوة لي للمشاركة في هذا العرس الثقافي متحدثاً عن نصيب الأدب في المملكة العربية السعودية من اهتمام " أصوات معاصرة " .
والشكر هنا يمتزج بالتهنئة الصادقة والخالصة لمؤسس «أصوات معاصرة» الأستاذ الدكتور حسين علي محمد ، وإلى جميع الذين شاركوه المسيرة طوال ثلاثين عاماً من الفعل الثقافي المثمر .
وكيف يتسنى الحديث عن "أصوات معاصرة" دون الحديث عن علاقتي بمؤسسها الصديق العزيز الدكتور حسين علي محمد الذي عرفته قبل نحو عشرين عاماً في أول سنة قدم فيها إلى المملكة العربية السعودية أستاذاً في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وكنت حينها أدرس السنة التمهيدية للماجستير في قسم الأدب بكلية اللغة العربية بالرياض التابعة لجامعة الإمام ، وكان من بين أساتذتي في الماجستير الدكتور محمود عارف حسين ، وكان يسكن في شقة مجاورة لشقة الدكتور حسين علي محمد جنوب مدينة الرياض .
وفي تلك السنة كان لي نشاط إعلامي مكثّف في إذاعة الرياض ، وفي جريدة "المسائية" مشرفاً على الملحق الثقافي بها ، فدعوت أستاذي الدكتور عارف للمشاركة ، فلبى الدعوة مشكوراً ، ثم عرّفني بالدكتور حسين علي محمد الذي عرفت فيما بعد أن له نشاطاً لافتاً في الصحف والمجلات ، وأنه شاعر وناقد وله حضور عربي ، فتوثقت العلاقة بيننا وأصبح كاتباً أسبوعياً في جريدة "المسائية" ، ومشاركاً في البرامج الإذاعية ، وأصبحنا لا نكاد نفترق ، ويأتي العام 2006م لينتقل عملي رسمياً من وزارة الثقافة والإعلام إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ؛ مما جعل الصلة تقوى وقد أصبحنا ننتمي إلى كلية واحدة وقسم واحد ، مع لقاءات خارج الجامعة يتولى الدعوة لها والترتيب لنجاحها أستاذنا وصديقنا المشترك الدكتور محمد الربيِّع .
ويبدو أن عشرين عاماً من المعرفة الحميمية الوثيقة مع الدكتور حسين علي محمد كافية للإدلاء بشهادة منصفة في حقه ، فهو طاقة إبداعية لافتة : شاعراً ، وقاصاً ، ومسرحياً ، ومقالياً ، مع قدرات أخرى تتمثل في الممارسة النقدية والعمل الصحفي بكافة أشكاله ، والتأليف ، والنشر الورقي، والنشر الإلكتروني ، والتوجيه والرعاية للباحثين الجدد من طلبة الدراسات العليا .
وكل هذه المواهب تزينها نفس سمحة وتواضع جم ، وحب لخدمة الآخرين ، وسعة أفق ، ورغبة في التعريف بالأدب العربي في كافة أقطاره دون إقليمية ضيقة أو انتقاء موجّه .
وثمة عوامل أسهمت في بلورة هذه الروح الوثّابة التي امتاز بها صديقنا العزيز الدكتور حسين علي محمد ، في مقدمتها انفتاحه المبكر على الأدب العربي خارج بلده مصر حينما درس عدنان مردم بك من سوريا ، وتعاون في إصدار مشترك مع الشاعر السوري مصطفى النجار ، ودرّس في الجمهورية اليمنية ، وتعاقد للعمل في المملكة العربية السعودية منذ عام 1991م وحتى الآن .
ومن هنا فإن إقامته الطويلة في المملكة العربية السعودية لم تكن إقامة رسمية تتمثل في التدريس في الجامعة والعودة إلى منزله ، بل كانت إقامته في العاصمة الرياض ذات الجو الثقافي المتنوع دافعاً له للامتزاج القوي معه ، مؤثراً ومتأثراً ، ومقيماً العديد من الصداقات والعلاقات الوثيقة مع الأكاديميين والإعلاميين والمبدعين ، ومشاركاً في العديد من المناشط الثقافية في الرياض وفي غيرها من المدن السعودية .
نصيب الأدب في المملكة العربية السعودية من " أصوات معاصرة" :
من بين إصدارات سلسلة " أصوات معاصرة " التي نيّفت على المئتين ، وصدرت في المدة من 1980ـ2010م وقفت على ثلاثة عشر كتاباً لمؤلفين سعوديين ، أو لمؤلفين عرب عن الأدب السعودي ، وصدرت في المدة من 1998ـ2010م ، وتنوعت بين دراسة أدبية ، ومقالات ، وديوان شعر ، ورواية ، لمؤلفين مشاهير ، ومؤلفين شباب يُصدرون أعمالهم للمرة الأولى ، ومعنى ذلك أن القائمين على السلسلة كانوا يهدفون إلى تقديم الأعمال الجيدة بغض النظر عن شهرة المؤلف ، إضافة إلى السعي الحثيث للتنويع في الإصدارات ، والرغبة في تقديم جوانب من الأدب والفكر والثقافة في المملكة العربية السعودية إلى القراء العرب في كل مكان ، وفي مصر بوجه خاص .
والإصدارات هي :
1ـ أزاهير الرياض: حوارات في اللغة والأدب والثقافة مع الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيِّع ، من جمع عنتر مخيمر ، وصدر في القاهرة بالتعاون مع دار هبة النيل للنشر والتوزيع عام 1998م .
2ـ ملف الأدب السعودي . وقد حمل الرقم (46) ، وصدر في يناير1999م ، ويقع في مئة وستين صفحة من القطع المتوسط ، وتضمن دراسات لعدد من الباحثين ، وقصائد لنحو عشرين شاعراً سعودياً ، يأتي في مقدمتهم : حمزة شحاته ، وحسن القرشي ، وطاهر زمخشري . وقد صدر الملف في طبعة ثانية عام 2003م ، وحمل الرقم (96) .
3ـ أدباء معاصرون : الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيِّع سيرة وتحية ، تحرير محمد عبدالواحد حجازي ، وصدر في الإسكندرية بالتعاون مع دار الوفاء لدنيا الطباعة عام 2000م ، وحمل الرقم (47) من سلسلة إصدارات أصوات معاصرة .
4ـ إطلالة البوح ، وهو ديوان شعر للشاعر السعودي الشاب مقعد بن عبيد السعدي ، ويقع في ثمان وسبعين صفحة من القطع دون المتوسط ، وحمل الرقم (66) ، وصدر في فبراير 2001م بالتعاون مع هبة النيل للنشر والتوزيع بالقاهرة . وقد تصدرت الديوان دراسة نقدية له في ست صفحات بقلم الدكتور حسين علي محمد .
5ـ مراجعات في الأدب السعودي من تأليف الدكتور حسين علي محمد ، ويقع في 166 صفحة ، وحمل الرقم (77) ، وصدر في 2002م .
6ـ أدب المهجر الشرقي من تأليف الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيِّع ، وحمل الرقم (87) ، وصدر في عام 2002م .
7ـ حوارات في الأدب والثقافة مع الدكتور محمد بن سعد بن حسين ، ويقع الكتاب في ثلاثمئة وخمس وثلاثين صفحة من القطع المتوسط ، وحمل الرقم (98) ، وصدر في يوليو 2003م بالتعاون مع هبة النيل للنشر والتوزيع بالقاهرة .
8ـ الشعر السعودي في قضية البوسنة والهرسك ، وهي أطروحة ماجستير للباحث هاجد بن دميثان الشدادي ، ويقع الكتاب في ثلاثمئة وخمس وخمسين صفحة من القطع المتوسط ، وحمل الرقم (105) ، وصدر في عام2003م بالتعاون مع هبة النيل للنشر والتوزيع بالقاهرة .
9ـ الغياب ، وهي مجموعة قصصية للأديب المعروف محمد المنصور الشقحاء ، وتقع في أربع وستين صفحة من القطع دون المتوسط ، وحملت المجموعة الرقم (145) ، وصدرت في مايو 2005م .
10ـ الزهرة المحترقة ، وهي رواية للدكتور محمد بن سعد بن حسين ، وتقع في مئة وستين صفحة من القطع دون المتوسط ، وحملت الرقم (192) ، وصدرت في يناير 2007م بالتعاون مع هبة النيل للنشر والتوزيع بالقاهرة . وقد تضمنت الرواية دراسة نقدية في ثلاث عشرة صفحة بقلم الدكتور حسين علي محمد .
11ـ الأديب السعودي الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيِّع (كتاب تذكاري) من تحرير علي محمد الغريب ، وصدر في القاهرة بالتعاون مع هبة النيل العربية للنشر والتوزيع عام 2009م .
12ـ اللغة العربية في عصر العولمة الثقافية : مقاربات ثقافية لفهم مصطلحات عصرية من تأليف الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيِّع ، ويقع في اثنتين وسبعين صفحة من القطع دون المتوسط ، وصدر في أوائل عام 2010م ، ولم يحمل رقماً رغم وجود صفحة تحمل ارتباط الكتاب بسلسلة أصوات معاصرة .
13ـ لآلئ وأصداف: بحوث وقراءات في الأدب العربي من تأليف الدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيِّع ويقع في مئة وستين صفحة من القطع المتوسط ، وحمل الرقم (219) ، وصدر في يوليو 2010،ويعد أحدث إصدارات أصوات معاصرة ، ويضم الكتاب خمسة بحوث ألقيت في مهرجانات وندوات، وهي على التوالي:
-المدينة المنورة في شعر عبيد مدني (قدسية المكان وتجليات الأحداث) .
-الكتابة للطفل والكتابة عن الطفل في المملكة العربية السعودية .. (رؤى وانطباعات من واقع التجربة).
-نجدي في أمريكا .. مذكرات خليل إبراهيم الروّاف .
-قراءة اقتصادية لكتـاب"البخــلاء"، للجاحـظ.
-مشروع دارة الملك عبد العزيز لترجمة ودراسة كتابات الرحالة الغربيين إلى الجزيرة العربية.
وقد تصدّرت الكتاب مقدمة للدكتور حسين علي محمد مؤسس أصوات معاصرة بعنوان "الدكتور محمد الربيِّع .. كما عرفته " .
ومعنى ذلك أن الأدب في المملكة العربية السعودية أخذ ما نسبته 7% تقريباً من اهتمام " أصوات معاصرة"،وهي نسبة جيدة إذا قارناها بنصيب الآداب العربية الأخرى من السلسلة ، ونتطلع في المستقبل إلى أن تزداد هذه النسبة ، وأن تأخذ المرأة السعودية الأديبة نصيبها من اهتمام السلسلة ، وأن يسعى القائمون على السلسلة إلى التنويع في الأسماء من جميع المناطق السعودية ، وحبذا أن يكون اهتمام "أصوات معاصرة" بالأدب العربي بشكل عام وفق خطة مرسومة تجعل نصيب الأدب في مصر 50% ، والبقية للبلدان العربية الأخرى ، مع التخطيط للوصول في توزيع مطبوعاتها إلى جميع الأقطار العربية.
وإلى جانب السلسلة الرئيسة من أصوات معاصرة التي بلغت إصداراتها حتى الآن (219) إصداراً ، أسهمت "أصوات معاصرة" بمساندة سلسلة أخرى ، وهي " كتاب الرسالة" ، وهو كتاب أدبي غير دوري أسسه الأستاذ علي الغريب في عام 2005م ، وصدر عنه كتاب " سنابل وورود " للدكتور محمد بن عبدالرحمن الربيِّع في عام 2009م ، وحمل الرقم (5) من كتاب الرسالة .
وختاماً : أجدّد التهنئة للقائمين على سلسلة أصوات معاصرة بمناسبة إكمالها للعام الثلاثين ، وآمل أن يتقبلوا المقترحات التالية للمرحلة المقبلة ، وهي :
1ـ توحيد شكل المطبوعات وإخراجها ، وتوحيد مكان الرقم الذي يأخذه الكتاب وتاريخ الصدور .
2ـ الاهتمام برصد قائمة الإصدارات في نهاية كل كتاب يصدر عن السلسلة ، وتوثيق رقمه وتاريخ صدوره .
3ـ الاستفادة من الأغلفة الأخيرة للكتب بتقديم ملخصات لها وتراجم موجزة لأصحابها .
4ـ العناية الفائقة بالتصحيح ، ومحاصرة الأخطاء الطباعية ـ قدر الإمكان ـ حتى تتم الاستفادة الكاملة من محتويات الكتب على الوجه الأمثل ، وبخاصة في الدراسات والبحوث .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أستاذ الأدب المشارك بكلية اللغة العربية بالرياض
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
aaah1426@gmail.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 12:49 pm

العاشق والوردة
حسين على محمد
ملف نقدي وإبداعي
إعداد
مجدي جعفر
محمود الديدامونى
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 12:50 pm

فمتى يا طيرُ تهدلْ ؟
شعر / محمد سليم الدسوقي
( مرثية حبٍ للمرحوم الأستاذ الدكتور / حسين على محمد –
ألقيت فى سرادق العزاء)
(1)
ذكرياتي والدياجي أقبلت تتْرى .. تجيشُ
وكل مافي الكون غيرَ مباهج العشاقِ ..
والأشواقِ أقبلْ !
والعصافيرُ تهادت صوبَ كرْمتنا تحيي .
تنثر الدفء رحيقاً يتعللْ!
تجتلى طُهر الأيادى ،
غَرفة المجد المؤثلْ ؟
والمنى البادي على صدر الدُّنا عندى تهلل !
والصباح البكر جياش التراتيل التى رفّت تدمدمُ فى دروب الصمتِ
عند الشطِّ ، عند الحطِّ تَسألْ ؟
ما بشاراتُ الغروبِ ؟
وما تهاويلُ الهُروبِ من الدياجير التي زفت نهارات الطيوب السُّمر ...
غدَّاءاتُ، روَّاحاتُ،
والصَّابات فوقَ مرابضِ الخيل اللواتى روَّضت أعناقها للعَوْد للأفنان..
للأحضان تصهل!
يالَ ركضَ الخيلِ قبل الليل وسْنى عندما كنا نعاودُ بالتهاليل ونثمل !
عجماءُ ساجيتى،
وقبلَ مواسم الأحباب ..
قبل ولاهتى بالباب .. عرسُ خمائلِ اللبلاب ..
فى بيتى المُقرْنص بالحفاوة ،
بالطلاوة قد تأجّل !
قد تبدّل !
ما كنت أحسَب أن هناءتى فى مَهْمه الغيب السّخىّ ...
وفى وداعات الصبىّ رعاه شيخىَ بالعشىّ ...
دعاءِ أمىَ، خالتى الهيماءِ يمكنُ أن يعاود ،
أن يهاود ...
شعرها المضفورَ،
المجدول توًّا فى صيال الريح ، فى الترويح ...
يمكن أن يباغتَ، أن يخاتل شيبتى منى ويرحل !
بعدما الإصباحُ راح ، وموعدُ اللقيا تسربل !
والجنَى المأمول أجفل !
يال بسماتى التى طفِرت على عينىَّ تسلو ...
تسلب النَّوار من قلبى وترحل! ...
والصباحات تحوقل !
فمتى شدوىَ فى كل البساتينِ يرتاحُ..
متى يا طيرُ تهْدِل!!؟؟
(2)
لمْلمى عنى سؤالاتى، وغاياتى التى طفقت تهمهم ...
فى رؤاى، وفى مناىَ، وفى الحنايا !
ماعدت أحفِل بالغمامات التى حمَلت إلىَّ غوارباً فيحاءَ
تطفحُ بالعطايا !
والليل يعبث /يا حسينٌ/ فى هواى !
وهوْدجى ذاك الذى ضوعتَه بالشعر ، بالأعطار ...
بالسُّدُمِ التى كانت تظلل حَرَّتى، ومسرَّتى ..
وتعانقُ الأنداءَ تسكن فى حشاى ..
وأنا مدلٌّ فى البلايا !
شدَّنا "ياحومةَ الجندلِ اسجعى"، يا سُعادَ القلبِ هيا رجِّعى
طوْرًا هناك، وتارةً أَزْجى لك الله الحماماتِ التي تلْتاحُ زجْلَى فى العيون ..
وفى الفُتون، وفى النوايا !
وبيارقًا صدْيا تفتِّش فى الحقول، وفى الوصول، وفى الحنايا!
والسّنا يخبو، يغمغمُ عند قارعة المنايا ! ...
يا منــاى !
(3)
عانقينى ياسجيَّاتى وهاتى غايتى فى الشوق هاتى !
واملئي الدنيا وساحات الهفيفِ المخْملىّ وريَّاك الذى كان المعبَّقَ ...
بالنشيد الهاشِمىّ, وبالصلاة !
واصطباراتٍ قطَفْن الحُب شهداً وربيعاً من حفيف الذكريات !
يالَ قهواتى على بيتِ الرشيدِ أزفُّها للصّحبِ .. للسَّارين ..
توَّاقين للمَدَدِ الشجىّ ، وهالةِ الوصلِ الوضىّ ، وكوكباتٍ فى سُباتى ..
رفَّتى كانت غناءَ العشقِ للأشياءِ ينفحُ عطرها المبثوثَ شدْوَى
ونعيماً كان يا دنيا القطارات التى مَرَقَتْ على السِّكاتِ ترْثينى ..
و تدفنُ وجهَها المعروقَ خجْلى فى رحيق السوسنات !
والسنا المخبوءُ, المرزءُ آتِ !
والثُّرياتُ تمَاهت، ونشيجُ الصَّحب عاتى !
وأنا فى باحة العمر الشجىّ أعدِّدُ الليلات أحسِبها ..
أمدّدُ فى الثوانى الماثِلات !
علَّ قطراً من رضابِ القربِ يقصدنى ..
وينفحُنى حياتى !!!
نم هنيئا فى الرحاباتِ السهارىَ, الحيارى ..
وسلاماً عندما عمرى وغاياتى تُواتى !!!

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 12:52 pm

لـــــــمحـــــــــــــــــــة

بقلم: محمد جبريل

حين كلَّفني أستاذي سليمان مظهر بالإشراف على الصفحة الأدبية بـ"التعاون" القاهرية، لم يكن قد مضى على اشتغالي بالصحافة أكثر من بضع سنوات، ولأني كنت في حاجة إلى تقديم يفوق حاجة الآخرين إلى تقديمي، فقد قبلت المقابل المادي الذي يقل عن معنى الرمز، وحاولت أن أوسّع دائرة صداقاتي بأسماء موهوبة في امتداد الأقاليم المصرية.
جاءتني رسالته الأولى تحمل قصيدة شعرية، أتبعها برسالة ثانية قبل أن ينقضي الأسبوع، يتساءل فيها: هل رفضت نشر قصيدتي لأني في المرحلة الإعدادية؟ لم أكن قد قرأت القصيدة بعد، ولم أكن أعرف إذا كان الشاعر طالباً أم شيخاً، لكنني تناسيْتُ تعجله ـ عرفت فيما بعد أن هذا بعض طبعه! ـ لمّا قرأت القصيدة، فدفعت بها إلى المطبعة متحمساً.
وتراسلنا، يبعث إليَّ بقصائده فأنشر بعضها، وأُبدي الرأي في البعض الآخر، ثم زارني في "المساء" يطلب مني تقديمي لأول دواوينه "عشان مهر الصبية".
ولأن عين الرضا عن كل عيب كليلة، فقد أغضب تقديمي لديوان حسين الأول ـ تجاوزه فنيا حتى أسقطه من قائمة مؤلفاته ـ معظم الشعراء!، وجدوا فيها مجاملة أساءت إلى الموضوعية ـ المفتقدة أصلاً ـ في حياتنا الثقافية.
يصعب الآن أن تُخطئ العين مكانة حسين علي محمد في حياتنا الثقافية عموماً، والشعرية على وجه التحديد. إنه يمثل صوتاً واضحاً ونقيا ومتميزاً بين الأصوات الشعرية في وطننا العربي. ومع أنه لم يُجاوز بداية العقد الرابع من عمره، فقد استطاع أن يستقطب مريدين وتلاميذ، يحتذون خطواته، ويُحاولون الاستفادة من تجاربه ورؤاه الفنية.
وإذا كانت "الوطن" قد استطاعت ـ خلال إصدارها الأسبوعي ـ أن تضم حسين علي محمد بين قائمة كتابها، فإن إحساسنا بالسعادة يتضاعف في خاطرة ثقافية، وعد حسين علي محمد أن يخص بها الصفحة الثقافية في العدد اليومي تحت عنوان "قطرة ندى".
.. .....*الوطن (العُمانية) ـ في 28/12/1982م.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 12:53 pm

رحيل حسين علي محمد زارع الأقلام
علي محمد الغريب
رحل حسين علي محمد ولم ترحل أحلامه.. رحل بعد أن زرع شبابا وأقلاما في فضاء الكلمة الطيبة، وبعد أن أسس مدرسة أدبية مترامية الأطراف يدين لها بالولاء الكثير من الأدباء الشبان على اتساع رقعة الوطن العربي الفسيح. رحل المبدع الميداني، الذي لم يكتف بدوره الأكاديمي؛ يُقعّد ويُنظّر فقط، بل كان في الحقل الإبداعي يراقب بزوغ يراع جديد.. ويساند التجارب الأدبية الشابة فيقومها ويجهزها للانطلاق! لم يكن حسين علي محمد رحمه الله مجرد أستاذ أكاديمي نابه، أو شاعر مُجيد، فقد كان صاحب مشروع وصاحب قضية، هكذا كان يقول عن نفسه "أنا صاحب قضية". كان رحمه الله في سباق مع الإنجاز، حيث كان من أوائل وأمهر الأدباء الذين استوعبوا إمكانية الاستفادة من التقنيات الحديثة والشبكة العنكبوتية، واستخدمها بقوة لخدمة منجزه، في الوقت الذي يفاخر فيه الكثير من المثقفين والأدباء أنهم مقطوعو الصلة بهذه الوسائل الحديثة التي لا يعرفها إلا الشباب!
ظل يحمل روح الشباب بين جنبيه طيلة سنوات عمره الستين، وكان كلما ازداد جسده نحولا ازدادت روحه فتوة؛ فأحلامه وثابة، وآماله عريضة، ولديه ثقة غير محدودة في ربه ثم في نفسه.. لا يتوقف عن القراءة والكتابة والدرس، وتقديم شباب الأدباء الذين يأنس منهم الموهبة إلى الساحة الأديبة، وكان يفرح بميلاد شاعر أو قاص أو ناقد، كما يفرح الأبوان بقدوم طفلهما البكر.
لقد اقتربت منه لأكثر من خمسة عشر عاما.. عايشته وخبرته في جميع أحواله، على المستويين الإبداعي والإنساني العام والخاص، ورأيت كيف يتعامل مع الناس بعفوية وعذوبة غير متكلفة، وما رأيته رد أحدا جاءه لطلب مساعدة أو مشورة، بل كان يبادر أصحابه وتلاميذه يتفقدهم، ويتتبع أخبارهم ويسأل عن أحوالهم الاجتماعية والأدبية، وماذا يمكن أن يقدم لهم.
وقد حكي لي أحد الأدباء الشبان الذين كانوا قريبين منه، حين كنا نتحدث عن رعايته للشباب أنه اتصل به في مساء أحد الأيام وقال له: سأقول لك شيئا تحت اللوم وفوق العتاب! يقول الأديب الشاب وقبل أن يكمل الدكتور كلامه كانت أفكار كثيرة تعصف برأسي فما الأمر الذي يجعل أستاذا كبيرا كالدكتور حسين يتصل بي في هذا الوقت ليقول إنه عاتب عليّ؟! يقول: وأكمل الدكتور حديثه قائلا: عرفت أنك في ضائقة مالية ولم تتصل بي وقد أكدت عليك من قبل ألا تتردد في طلب أي شيء تحتاجه فإن أمكنني ساعدتك أو بحثت لك عمن يساعدك! لم يبخل رحمه الله في دعم الشباب بكل ما يستطيع، فكان يكتب عن الأدباء الشباب، ويلفت إليهم وسائل الإعلام والنقاد ليكتبوا عنهم ويطرحوا أسماءهم، وكان يقول في تواضع وإنكار للذات أنا لا أفعل شيئا، فهذا واجبي وهكذا كان يفعل أساتذتي معي!
كان حسين علي محمد يضحك ويرسل رأسه للوراء وتغرورق عيناه فرحا وسرورا حين يستعرض أمامنا تجربة أصوات معاصرة، وهو يمسك إصدارت منها متنوعة الطبعات، وكان يحتفظ بالكتاب الأول ويمده لنا مع الكتاب الأخير ويقول: انظروا للتطور الكبير في الطباعة.. الآن نحن ننافس وزارة الثقافة!
وقد كان محقا فيما يقول فقد قدمت سلسلة أصوات معاصرة التي أسسها منذ ثلاثين عاما أكثر من 220 كتابا أكثرها لأدباء شباب، ومعظم الكتب التي صدرت في السلسلة كانت الكتاب الأول لصاحبها، وكم كانت مغامرة كبيرة من الدكتور حسين وجرأة غير عادية، حين يدفع بكاتب لأول مرة للقراء، لكنه في المقابل كان لا يطبع كتابا قبل الاطلاع عليه والتأكد من أن صاحبه موهوب ويستحق أن يتعرف القراء عليه.
وفي لحظات الضيق بالواقع الأدبي والثقافي المتردي كان يقول ليتني أطعت والدي وتعلمت في الأزهر! وكنت أقول له أنت في ميدان لا يقل أهمية عن عمل علماء الأزهر، فيقول ـ وهو العارف ـ معك حق، لكن الواقع لا يشجع، لكنه سرعان ما يتجاوز شعوره بمرارة الواقع الأدبي المتردي ويبدأ في التخطيط لمشروع جديد أو ندوة أو كتاب يستعد لإصداره، ولا أذكر أني زرته إلا وكان لديه جديد!
كان رحمه الله صاحب قبول واسع بين المثقفين على اختلاف مشاربهم، كما كان شخصية جاذبة للأدباء الشبان، لا يجد راحته إلا وسطهم، يناقش ويقترح ويصوب في حب وتواضع.
وكان من مشاريعه المثمرة تنبيه ندوة الأدباء الشبان برابطة الأدب الإسلامي في الرياض، التي كانت بداية الانطلاق لعدد من الأدباء والشعراء، فكانت الندوة تعقد مرة في الشهر، ويجتمع لها الأدباء من شتى أحياء الرياض، يعرضون إبداعاتهم والدكتور حسين يستمع إليهم ويطرح رؤيته حول أشعارهم وقصصهم ويناقشهم فيها. وكانت هذه الندوة من بين الندوات الحيوية في الرياض التي تعتمد على التفاعل بين شباب الأدباء والأساتذة الراسخين أمثال الدكتور حسين رحمه الله.
وكما كان للدكتور حسين جهد واضح مع شباب رابطة الأدب الإسلامي، ومن قبلهم عموم الشباب الذين يقصدونه في أصوات معاصرة أو بشكل فردي، فكان له أسهام كبير في موقع لها أون لاين، حيث شارك في تأسيس الصفحة الأدبية بالموقع، وتولى الإشراف على مسابقة شهرية مخصصة للمبدعين الشباب في بداية انطلاق الموقع، وكان ضمن المحكمين والمتابعين الجيدين لتجربة جائزة الموقع السنوية في الثقافة والإبداع وكان أحد المحكمين الرئيسيين في الفروع الأدبية المختلفة.
وحين أقامت منتديات لها أون لاين مسابقة في القصة القصيرة خاصة بالفتيات، وطلبت إدارة الموقع منه قراءة النصوص وتقديم قراءة نقدية فيها لتنتفع الفتيات، رحب بالفكرة وقرأ النصوص وقال إن من بينها نصوصا تشي بمبدعات قادمات بقوة للساحة الأدبية إذا تمت رعايتهن ومساعدتهن.
ظل حسين على محمد طيلة حياته طاقة إبداعية كبيرة؛ متصل الحيوية والنشاط والأمل، ليتوقف فجأة بعد دخوله في غيبوبة إثر إصابته بجلطة دماغية وهو يمارس عمله الأكاديمي في يوم 28/6/2010 وحتى رحيله بالمستشفى العسكري بالرياض فجر الأربعاء 21/7/1020م رحمه الله.
أستاذي ومعلمي الدكتور حسين علي محمد لا أنسى أول لقاء بيننا في مساء شتوي برابطة الأدب الإسلامي بالرياض قبل خمسة عشر عاما حين عرفتك بنفسي فمددت يدك مرحبا وأعطيتني بطاقتك وقلت لي: هذا هاتفي في انتظار اتصالك.. ثم سلمت عليّ ثانية والابتسامة تملأ وجهك قائلا: إلى اللقاء.
منذ هذا الوقت وسحر ابتسامتك وطيبة قلبك وأستاذيتك كانت دافعي المستمر للالتصاق بك والنهل من فضلك وعلمك.. فيا أستاذي وأبي ها قد جاء دوري لأقول لك ومرارة الفقد تعتصر قلبي: إلى اللقاء!

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 12:54 pm

حسين علي محمد .. فراق آخر

كنا نحاول أن نجد في الغربة أي سبب للضحك والتأويل الساخر لتمر أيامنا بأقل قدر من الجهامة.
كتب ـ أحمد فضل شبلول
لم أكن أعلم أن الشاعر والناقد الصديق الدكتور حسين علي محمد قد أصيب بجلطة دماغية أثناء عمله بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، تم نقله على إثرها إلى المستشفى العسكري بالرياض، إلا بعد أن أبلغني الصديق الكاتب الصحفي مصطفى عبدلله ـ عن طريق الإيميل ـ بأن الشاعر قد رحل منذ سويعات، وأنه سيدفن في السعودية كما ذكر له أهله بديرب نجم بمحافظة الشرقية في مصر. أسقط في يدي، وقلت هذا موسم رحيل الشعراء والمفكرين والمثقفين، إنهم يتساقطون تباعا: محمد عفيفي مطر، محمد عبدالسلام العمري، نصر حامد أبوزيد، فاروق عبدالقادر، والقائمة تطول، وهناك من ينتظر. تزامن وجودي للعمل في جامعة الملك سعود بالرياض مع وجود د. حسين علي محمد للعمل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في المدينة نفسها، حيث كان يعمل ضمن أعضاء هيئة التدريس، وأنا كنت أعمل في النشر العلمي والمطابع. ولكن معرفتي به شاعرا وصديقا تعود إلى منتصف السبعينيات، فنحن أبناء جيل شعري واحد، وكانت رؤيتنا للشعر تتقارب في كثير من الخطوط والملامح. وكان ثالثنا الشاعر الدكتور صابر عبدالدايم ابن الشرقية الذي وصل إلى منصب عميد كلية الدراسات العربية بجامعة الأزهر بالزقازيق. وكان يأتي أستاذا زائرا بين الحين والآخر لجامعة الإمام محمد بن سعود، ويقيم في شقة د. حسين علي محمد بمنطقة غبيرة بالرياض، ونلتقي صباح كل جمعة في منزله. أيضا أتذكر صديقا آخر عرفته من خلال د. حسين علي محمد وهو الدكتور الراحل محمد داود الذي أقام فترة أيضا أثناء عمله في الرياض في شقة الدكتور حسين.
وعندما صدر ديوان شعر الأطفال "مذكرات فيل مغررو" للدكتور حسين علي محمد عن رابطة الأدب الإسلامي العالمية عام 1993، وجدت أن الشاعر يتحدث عن فيلين، هما فيل أبرهة، والفيل الوفي الذي ساعد امراة أرمل في العبور إلى مكان آمن بعد أن اجتاح الفيضان أرضها، وكانت هناك عناصر درامية رائعة استطاع الشاعر أن يغذي قصيدتيه بها، وأن يقرب عالمهما للأطفال الذين يتوجه إليهم الديوان، وهم في الغالب فوق الـ 9 سنوات، فكتبت دراسة مطولة عن الديوان. وعندما نشرت الدراسة تحت عنوان "حسين علي محمد بين فيلين" في جريدة الجزيرة السعودية، وقرأها من كان يقيم معه في شقته وهما: د. صابر عبدالدايم، ود. محمد داود، لم يملكا نفسيهما من الضحك، واتصلا بي ضاحكين وسألاني من فيهما الفيل المغرور ومن الفيل الوفي، فلم أفهم سر الضحك وسر السؤال، إلا بعد زيارتي لهم صباح الجمعة التالية للنشر والاتصال فأخذت أضحك بشدة لهذا التأويل الذي لم يخطر على بالي أثناء الكتابة بطبيعة الحال وأثناء اختيار عنوان الدراسة. وهكذا كنا نحاول أن نجد في الغربة أي سبب للضحك والتأويل الساخر لتمر أيامنا بأقل قدر من الجهامة. عدت إلى عملي في مصر عام 1998 واستمر حسين علي محمد في العمل بالرياض، حيث لم يكن له مصدر عمل في مصر بعد حصوله على الدكتوراه عن "البطل في المسرح الشعري" وتقديم استقالته من التدريس بمدارس التربية والتعليم، ومن ثم جاء عمله بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية موافقا لتطلعاته الأكاديمية، وكنت ألتقي به دائما في كل زيارة أقوم بها للرياض بعد العودة النهائية، سواء من خلال دعوات رابطة الأدب الإسلامي، أو معرض الرياض الدولي للكتاب، أو مهرجان الجنادرية، وفي كل مرة أذهب إلى بيته بغبيرة، ونستعيد ذكرياتنا القديمة في وجود بعض الأصدقاء المصريين والسعوديين، ويسألني: ألا تحن للعمل في الرياض مرة أخرى، ويذكر لي عدة جهات ممكن أعمل فيها. ولكنني كنت اعتذر له، بحجة أن الظروف غير مناسبة في هذا الوقت، إلى أن جئت للعمل في مجلة "العربي" بالكويت، فأرسل لي يهنئني بل كتب تهنئة إلكترونية في عدد من المنتديات والمدونات. للدكتور حسين علي محمد إسهامات أدبية وثقافية ومؤلفات شعرية ونقدية كثيرة، إلى جانب إسهامه كناشر أيضا، فقد أسس في أبريل/نيسان عام 1980 سلسلة "أصوات معاصرة" وشاركتُ في مجلس تحريرها مع كل من الشاعر الراحل عبدالله السيد شرف، ود. صابر عبدالدايم، والشاعر بدر بدير حسن، ومحمد العربي السبع، وأصدرتْ هذه السلسلة كتبا كثيرة لكتاب مصريين وسعوديين وجنسيات عربية أخرى. وقد تولى إدارتها مؤخرا الأديب مجدي جعفر ومجموعة من الأصدقاء. كنا ندفع من جيوبنا لإصدار هذه السلسلة وانتظام صدورها بدون توقف، وكان حسين علي محمد يتكبد القسط الأكبر من التكاليف، وسنعمل إن شاء الله على مواصلة صدور السلسلة بعد رحيل مؤسسسها المفاجئ. وعندما اكتشفنا الكمبيوتر وشبكة الإنترنت وجد الشاعر الراحل خلاصه في الشبكة العنكبوتية فكان يقضي جل أوقاته ـ عدا وقت التدريس والنوم تقريبا ـ أمام شاشة الكمبيوتر كاتبا وقارئا وناشرا ومتحدثا، وأسس لنفسه مدونة قيمة باسمه "مدونة الدكتور حسين علي محمد" تحتوي على شتى فنون الأدب والنقد والصحافة الأدبية، وبلغ عدد زوارها حتى اللحظة التي أكتب فيها هذا المقال أكثر من نصف مليون زائر، وبالتحديد 558,716 زائرا . والسيرة الذاتية والأدبية للدكتور حسين علي محمد طويلة وعامرة بالإنجازات الأدبية والنقدية ... رحم الله الشاعر الراحل حسين علي محمد، وغفر له وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 12:55 pm

آثار على الرمال
بقلم أ.د / أحمد يوسف على
يبدوأن الشعراء الحكماء هم أكثر الناس تصويرا لجوهر الحياة التي نأتي إليها ونعبرها ونظن أننا قد أصبنا منها الكثير حين صوروا هذا العبور وكأننا نخط السطور فوق الماء فلا الماء يبقي السطور ولا السطور مهما كانت قوتها تبقى،إذن فماذا يبقى؟!السطور هى الأثر المادي الذي يستغرقنا في رحلة الحياةونكافح من أجله بل نتفانى ونتعادى معتقدين أن الصواب المطلق قد امتلكناه وأن الآخرين ليس لهم منه من نصيب. فمنا من يسعى في الأرض وراء المال والشهرة والأضواء ولايهمه شيءآخر من قيم وأخلاق ومثل أو حلال وحرام، ومنا من يرى أن يعيش لفكرة يؤمن بها ويرى العمرقصيرامهماطال لقضاء استحقاقاتها وهى عنده أسبق من الولد والزوج والأهل.
عرفت أخي وصديقي الدكتور حسين علي محمد-يرحمه الله-عن قرب في نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات وكان ممتلئا أملا وحيوية وتطلعا لاحدود له إلى مستقبل أفضل في مصر ينهض فيه وجهها المزدهر بالعلم والفنون والآداب والحريات والرخاء الاقتصادي الذي يجعل المصري عزيزا في بلده حريصا على البقاء بها فلا يفارقها سعيا لسد الرمق أو لبناء مسكن يؤويه أوهربامن فساد يدمي القلب ويحرق الأمل ويجعل البقاء على أرض مصر صعبا مؤلما، مع أن بداية التسعينيات في مصرلم تكن تبشر بهذا الأمل ولكنها أحلام المثقفين والشعراء وأهل الفكر الذين يعز عليهم ألا يحلموا وألايبشروا بالحلم. ففي مصر استقرت صناعة الحلم في أيدي حفنة ممن يعادون الفكر والعلم والفنون والآداب ويمتطون صهوة جواد الدين الذي لايعرف إلا الأغنياء بلا عمل والعلماء بلا علم والساسة بلافكر وكل هؤلاء يحتكرون السلطة ويستأثرون بكل شيء ويفصلون من القوانين ما يمكن لهم ولأمثالهم ومعاونيهم من البقاء في كراسيهم إلى ما لانهاية.
ولكن حسين علي محمد لم يفقد القدرة على الحلم وإن تبدلت توجهاته بعد أن اصطدم اصطداما مباشرا مع القمة الباردة فرأى أن مكانه هو الجامعة بعد حصوله على الدكتوراه ولكن الجامعة- القمة الباردة -كانت قد تبلدت معاييرها بعد أن استولى عليها أعوان الذين استولوا على مصرولم يعد من قيمهاأن الأكفأ هو الأحق ولا الأعلم هو الأجدر بل الأليق والألين والتابع ورأيت في عينيه اهتزاز بريق الأمل بما يعني التردد في تصديق مايراه وهنا انقسم لديه الولاء بين الوطن الذي يكرس الاغتراب لأبنائه ويفرق بينهم على أسس لاإنسانية وبين العروبة بما يصاحبها من الفكر الديني الذي يهون على المغترب في بلده غربته ويجعله يقبل أن يعيش في بلاد الخليج تحت اسم( المقيم) وليس المواطن بما يعني أن دوره محدود مهما اتسع وأن حريته منقوصة مهما اندمج مع المواطنين وأن النظارة التي كان يضعها على عينيه وهو في مصرلم تعد تصلح وعليه أن يغيرها طواعية ليرى مصر من جديد فإذاهي بلد آخر غير الذي نشأنا فيه: ثقافته ورموزه وتاريخه ونضاله ومعيار هذه الرؤية الجديدة هو النظارة الجديدة بفكرها الديني ورموزها الاجتماعية والسياسية والثقافية والرخاء المادي الذي لاتنكره العين.
عاش حسين على محمد مخلصا لما آمن به من الحلم البديل عاملا بكل صدق وأمانةعلى إنجازه فارتبط بجماعة الأدب الإسلامي ورابطتها ارتباطا حميما وسعى إلى ازدهارها وتصدر بعض مناصبها وكأنه يرسل رسالة إلى الوطن الأم الذي مات فيه حلمه الأول مفادها(أضاعوني وأي فتى أضاعوا) كما ترجم مفردات حلمه داخل جامعة الإمام محمد بن سعود بالتدريس والبحث والإشراف العلمي وكأنه نذر نفسه لحلمه وسار في طريق الآلام فعاش وحيدا غريبا محروما من لذة الفرحة بالإنجاز مع أقرب الأقربين ففرح وحده فرحة منقوصة ومات وحده ميتة درامية كمايسقط البطل الدرامي على خشبة المسرح فيصفق له جمهوره ولايدري أن البطل الذي يصفق لروعة أدائه قد مات فعلا

ا


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 12:58 pm

الحلم المناضل في ديوان «شجرة الحلم»
للشاعر حسين علي محمد
بقلم: أ.د. علي عشري زايد
يحدد لنا الشاعر حسين علي محمد الإطار العام لرؤيته الشعرية في هذه المجموعة منذ المقطع الأول من القصيدة الأولى من مجموعته هذه، بل إنه يُحدِّد لنا هذا الإطار منذ عنوان المجموعة ذاته «شجرة الحلم» .. ولذلك فلم يكن مُصادفة أن يكون هذا العنوان هو عنوان القصيدة الأولى، وهو في الوقت نفسه عنوان مقطعها الأول. هذا الإطار الذي يحدده لنا الشاعر ـ بوسائله الفنية الخاصة ـ هو "الحلم".
ولكن حلم شاعرنا ليس هو الحلم ـ الخدر والغيبوبة، وإنما هو الحلم المناضل، الحلم الذي يُدرك بوعي فادح مدى جهامة الواقع واربداده، ولكنه يصر ـ مع هذا الوعي ـ على أن يرسل أشعته، تخترق ظُلمات الجهامة، لتعانق توق الوجود إلى الحلم بواقع أكثر وضاءة، ولتحفز هذا التوق إلى العمل والنضال في سبيل تحقيق هذا الحلم. ولهذا فإن الشاعر يُجسِّد لنا حلمه في رمز من رموز العطاء والخصب والحياة، وهو "الشجرة". بل إنه يحرص على أن يكشف لنا منذ البدء ـ في مُفارقة تصويرية رائعة ـ عن تميز حلمه المناضل عن أحلام الحذر والغيبوبة التي تمتص كل حوافز العمل والنضال لدى الآخرين، فيقول في مقطع "شجرة الحلم" من القصيدة الأولى، في المجموعة التي تحمل نفس الاسم:
يشربُ غيري منقوعَ الكلماتِ الشافيةِ من الأدواءْ
ويبيعُ الفجر الآتي ذات صباحٍ أبيضَ للضُّعفاءْ
أقفُ وأصرُخُ في الأمواتِ: أفيقوا
هذا زمنُ الحجرِ الصَّنَمِ الرابضِ في الأبْهاءْ !
فلتخرُجْ كلُّ شجيراتِ الأحلامْ
ولتنفضْ عن عاتِقِها ظلَّ غُبارِ الأيَّامْ !
كي تحمينا ـ نحنُ الإخوة والأبناء ـ
من هذي الشَّمسِ الحارقةِ الصَّمَّاءْ
فالحلم الذي يتبنّاه الشاعر ويدعو إليه، ليس ذلك الحلم / الغيبوبة والوهم، الذي يسقي الحالمين منقوع الكلمات المعسولة، ويبيع لهم وهم فجر قادم لن يأتي في الحقيقة أبداً، وإنما هو الحلم / اليقظة، الحلم / الثورة، الحلم / الشجيرات الفتية، التي تنفض عن عاتقها كل رماد الغيبوبة، وتبسط ظلَّها العظيم لتحمي الأخوة والأبناء من هجير الشمس الحارقة الصماء.
وحتى في إطار هذا الحلم المناضل العام الذي يدعو إليه الشاعر، والذي يجسده شعريا في هذه الشجيرات الفتية، لا يفوته أن يصور تميز حلمه بين هذه الأحلام عن طريق مفارقة تصويرية جزئية أخرى، يستغل فيها وعيه اللغوي المرهف، وإدراكه للفروق الدلالية والإيحائية بين الصيغ اللغوية المختلفة، حيث يستخدم للتعبير عن حلمه الخاص الصيغة المكبرة للشجرة، بينما يستخدم للتعبير عن الأحلام الأخرى الصيغة المصغرة "شجيرات"، وعلى حين ينحصر العطاء المأمول من هذه الشجيرات في مجرد الظل والحماية من الهجير، فإن شجرة حلمه تتجاوز هذا ـ فيما يُشبه أن يكون صوتاً داخليا ـ إلى عطاء أكثر سخاءً، فتملأ سمعه بالأنغام الصدّاحة، وتُحيل أيّامه إلى ربيع:
(هذي شجرةُ أحلامي
بينَ شُجيراتِ الواحَهْ
تقصدُها كلُّ عصافيرِ الوادي
تملأُ أُذني بالأنغامِ الصَّدَّاحَهْ
وحبيبةُ روحي تبدو في فَرَحٍ غامِرْ
وأنا أحيا أيَّامَ ربيعي)
وسيظل الحلم بهذا المفهوم الإيجابي الخلاق إطاراً عاما لرؤية الشاعر في هذه المجموعة، تتعانق في نطاقه الأبعاد المختلفة لهذه الرؤية وتتفاعل وتتصارع، ومن خلال تعانقها وتصارعها ينمو العالم الشعري الغني عبر القصائد.
وفي إطار هذا الحلم يتصارع الأمل المزدهر مع كل عوامل الإحباط التي تُحيط به وتترصّده، هذه العوامل التي لا تغيب لحظة عن وعي الشاعر، والتي يكتسب حلم الشاعر كل قيمته الإيجابية من وعيه بها. وقد تلون هذه العوامل رؤيا الشاعر بظلال يأس كابية، ولكنه لا يلبث أن يبدد هذه الظلال بوهج حلمه الثائر، فهو حين يرى ـ في مقطع "الكلمات المفقودة" من قصيدة "شجرة الحلم" ذاتها ـ محبوبته الحلوة تتلفّت بين الجدران فاتنة غجرية، تتدحرج فوق تراب الخوف وأحجار الأحزان قمراً طفلاً، تكفهر رؤياه، وتربد بظلال يأس حزين:
يصعدُ في حلقي الشَّجَنُ فأمْضي
(في طُرقاتِ اليأْسِ وحيداً)
أبحثُ عنْ بارِقَةِ أَمانْ!
لكن حلمه المناضل لا يلبث ـ فيما يشبه مرة أخرى أن يكون صوتاً داخليا ـ أن يبدد ظلمات اليأس .. ويُرشد خُطاه إلى طريق الثورة:
(النَّارُ بأعراقي مُسْتَعِرَهْ
أوردتي الثلْجِيَّةُ صارتْ ورْدَهْ
أهدابُ الليلِ أراها تتفتَّحُ
.. عنْ أكمامِ الصُّبحِ المُمتدَّهْ)
والصراع بين الحلم وعوامل الإحباط ليس صراعاً مسطحاً، ينتهي دائماً نهاية سعيدة بانتصار رموز الأمل المضيئة على ظلال اليأس والقنوط، فقد تُحقق عوامل اليأس والإحباط انتصاراً مرحليا في بعض أبعاد الرؤية الشعرية في الديوان، بحيث تنتهي هذه القصيدة أو تلك من قصائد المجموعة، ولا تزال ظلال يأس قانط ترين على أفق الرؤيا لدى الشاعر، كما في قصيدة «متى تجيء المعجزة»، التي تنتهي وملامح تضرج وتبرم ضجر بطول الانتظار لتحقق الحلم والمعجزة، والصبر على فساد الواقع ورداءته تلون أفق الرؤيا:
فَسَدَ الحليبْ
وتقولُ لي :
"هذا أوانُ المعجزهْ"
قدْ ضِقتُ مثلَكَ بالأغاريدِ القديمةِ
والسُّعارْ
والليلُ طالَ .. الليْلُ طالْ
.. ومتى تجيء المعجزهْ ؟!
فلقدْ مللْنا الانتظارْ !
بل إن قصيدة "شجرة الحلم" ذاتها التي يحدد فيها الشاعر ملامح حلمه المناضل تنتهي بمقطع تغلب عليه ظلال اليأس والقنوط، متمثلة في ذلك الوعي الفادح الأليم بقوة عوامل الإحباط وعتوها. يجسد الشاعر هذا الوعي في مجموعة من الصور والرموز الشعرية البارعة: فذرات الطمي العالقة بحبات الرمل تصرخ باحثة عن جذر أخضر في الصحراء، وتتوق لقطرة ماء، وهجير الواقع القاسي الجهم لا يبسم للأحلام العجفاء، والأرض تغص بأشجار الكذب والزيف، وتُجهض أشجار الحلم، وتُشعِل في الجمع الغائب نار السكرة:
… والأُجراءْ
يبكونَ صباحَ مساءْ
والعرقُ الغامرُ أجسادَهم النَّاحِلَةَ السَّمراءْ
يحكي عن سادةِ "طِيبَهْ"
وقصورِهِم الشاهقةِ الشَّهباءْ
فطوبى .. طوبى للتُّعَساءْ!
ولكن هذا الوعي ذاته بقوة عوامل الإحباط، ومهما كانت درجة فداحته، هو الذي يُكسِب حلم الشاعر إيجابيته وفعاليته، ويميزه عن الأحلام السكرى البلهاء التي تُغمض عينيها عن جهامة الواقع، وما يغص به من معوقات للأحلام، وتحاول أن تبني فوق هذا الواقع قصوراً من وهم، فأي حلم يضع في اعتباره قوة هذه العوامل التي تُجهض أشجار الحلم لا بد أن يكون حلماً راسخاً واثقاً مناضلاً، لأنه يُدرك جهامة الواقع بوعي، ويُصر مع ذلك على أن يتجاوزها، ويُبددها، ويبني على أنقاضها في ثقة أركان عالم أكثر وضاءةً وعدلاً، وهو في نفس الوقت الذي يدرك مدى قسوة المعركة التي عليه أن يخوضها بكل هذا الوضوح والوعي، يُدرك بنفس الدرجة من اليقين مدى مضاءة أسلحته ونفاذها، وليس هذا الوعي بقسوة المعركة، وعتو العقبات، وطول المسيرة، إلا سلاحاً من أمضى الأسلحة، كما أن اليقين الواثق من النصر ـ المبني على تمثل واع لأبعاد الصراع ـ سلاح آخر، وأخيراً فإن اليقين من عدالة هذا الحلم ونبالته، سلاح ثالث، يجعل من أي تضحية تُبذل في سبيله ملمحاً من ملامح النصر، حتى لو لم تُحقق عائداً ملموساً.
في مقطع «الوجه الأخضر» من قصيدة "سيرة ذاتية للغناء على صهوة البرق"، يكشف الشاعر عن وعيه العميق بأبعاد الصراع، ومعرفته بأسراره مما يبعث فيه يقيناً واثقاً من النصر والوصول إلى الحلم؛ فذات الوجه الأخضر تستبطئ تحقق الحلم، ولا ترى حولها إلا عوامل الإحباط ومظاهر الجدب، ولكن الشاعر يُدرك مواقيت كل شيء، ويعرف أسرار الخصب وموعده، نفس معرفته بأسرار الجدب وبواعثه:
أعرِفُ أَنَّكِ مُتَعَجِّلةٌ ...
سوفَ يقولُ الوجهُ الأخضرُ:
إنَّ الخيْرَ بعيدٌ
إنَّ النَّهرَ ضنينٌ
فانْتظريني..
إنِّي أعرفُ كيْفَ يغيضُ النَّهرُ …،
وكيفَ يفيضْ
وانطلاقاً من هذا اليقين الراسخ، فإن الشاعر يدعو ذات الوجه الأخضر أن تبدأ معه الرحلة المنتصرة إلى الحلم، إلى المدن المفتوحة، فقد أعدّ الشاعر للرحلة ـ رغم طولها ومشقتها ـ كل عدتها:
عودي .. إنِّي أصدُقُكِ الحبَّ، وأعرِفُ
أنَّ الشَّوْطَ طويلٌ
عودي .. كيْ نبدَأَ رحلتَنا نحوَ المُدُنِ المفتوحةِ
عودي ..إنِّي أنتظِرُكِ قُدَّامَ البيْتِ،
وقدْ أسرجْتُ حِصاني
وإذا كان "الحلم" هو الإطار العام لرؤية الشاعر
… والعصفورُ يُحاورُني:
ـ خنتَ صباحاً ، وتراجعَ خَطْوُكَ!
ـ لم أتراجعْ
ـ لا تُنْكِرْ …
ـ لا أُنْكِرُ .. لكنَّ الفَرَسَ هزيلْ !
*صمَتَ العصفورُ ، أدارَ الوجْهَ وقالَ بصوْتِ اليائسِ : هذا أنتَ تُجيدُ الكلماتِ المحفوظةَ ! وانطلقَ العصفورُ يُغَرِّدُ لجزيرتِهِ الواعدِةِ ، ويحلمُ حلماً يعصِفُ بالوجْدانْ
ولم يضع هذا الحوار العاصف بين شطري ذات الشاعر هباء، حيث لم يلبث الشطران أن توحَّدا في كل واحد هو «الشاعر الثائر»، أو العصفور الذي يُدحرج كرة النار فوق أودية الأحزان: «مع نسماتِ الفجرِ أراني أولدُ ثانيةً في تغريدةِ عصفورٍ دحْرجَ كرةَ النّارِ على أوديةِ الأحزانْ». وليس هذا التوحد سوى تجسد من تجسدات «الحلم المناضل» الذي يتجسّد في شتى الصور والأشكال الشعرية.
وعلى الرغم من تعدد الخيوط الشعرية والنفسية التي يتكون منها النسيج العام للرؤية الشعرية في هذه المجموعة وتنوعها وتشابكها فإننا نستطيع أن نُدرك بوضوح أن الشاعر كان أكثر انشغالاً بالهموم العامة ـ سياسية كانت أو اجتماعية أو فكرية أو إنسانية عامة ـ منه بالهموم الذاتية الخاصة، بحيث لا نكاد نعثر على بعد ذاتي من أبعاد رؤيته لم يُحمله ملامح هم عام، وتمتزج الهموم العامة بالهموم الخاصة إلى الحد الذي لا يُدرك القارئ في كثير من الأحيان ما إذا كان الشاعر يتحدث عن محبوبته الحقيقية، أو عن وطنه، وما إذا كان ينفث مواجعه الخاصة أو مواجع الناس، وما إذا كان يعبر عن أحلامه أو أحلام الجماهير، فالعام في تجربة الشاعر يمتزج بالخاص ويذوب فيه ويتحد به.
ويمكننا أن نلمح بوضوح أن الوجدان الديني يمثل مكوناً أساسيا من مكونات الرؤية الشعرية في هذه المجموعة، فنحن نجد قصيدتين من قصائد المجموعة يُشكل الوجدان الديني فيهما لحمة الرؤية الشعرية وسُداها ..
وأولى هاتين القصيدتين هي قصيدة «التجربة» التي كانت أول قصيدة أتعرف منها على صاحب هذه المجموعة الشاعر المبدع حسين علي محمد، وقد قلتُ عن هذه القصيدة في مكان آخر( ): «أما قصيدة «التجربة» للشاعر حسين علي محمد فتحقق لوناً آخر من الامتزاج بين الحداثة والموروث؛ حيث ينتقل الموروث في هذه القصيدة في مضمونها الروحي والصوفي، بينما تتمثّل الحداثة في البناء الشعري للقصيدة، سواء في ذلك الجانب الموسيقي بما فيه من استخدام لآخر إنجازات التجديد في مجال الشعر الحر كالتدوير، والجانب التصويري بما فيه من توظيف بارع للصور في الإيحاء بجوانب هذه «التجربة» الروحية الخصبة، حيث يرسم الشاعر أبعاد هذا الجو الروحي بمجموعة من الألفاظ الصوفية الموحية، ومجموعة من الصور البارعة التي تحملنا إلى هذا الجو الشفاف الذي يتجرد فيه المريد من كل هموم الحياة ومشاغلها وأثقالها، ويُصبح هدفه الأسمى هو الوصول «اترُكْ أحزانَكَ قُدَّامَ البابِ، اخْلعْها جنْبَ حذائكَ، وتعالَ إليْنا، فستحْيا أحلى لَحَظاتٍ في ظِلِّ الشيخِ "وليِّ الدِّينِ" الليْلَهْ!» ولنتأمل على سبيل المثال هذه الصورة الذكية «اخْلعْها جنْبَ حذائكَ» بما فيها من إيحاءات غنية، هذه الإيحاءات التي لا تقف عند حد ضرورة التجرد من هموم الحياة وأثقالها وتركها عند الباب، وإنما تتجاوز ذلك إلى التعالي عن هذه المشاغل والهموم، واحتقارها، ووضعها بجانب الحذاء.
وأخيراً ذاك الختام الشعري الرائع للتجربة يإيحاءاته العميقة، حيث يفر الشيخ ويترك المريدين بعد أن وضعوا أقدامهم على الطريق، فالوصول إلى الله ليس في حاجة إلى وسائط، وحسب المرشد أن يضع أقدام المريدين على طريق الوصول، وقد يكون الراغب في الوصول أقدر على سلوك الطريق من المرشد ذاته: «لكنَّ الشَّيخَ العاشقَ شربَ الكأْسَ، ونظَر ملِيًّا في الصَّدْرِ النَّابِضَ بالحبِّ الأسمى للخالقِ، نظرَ وقالَ: "أحبَّائي، إنِّي أضعفُكُمْ، إنِّي آخرُكُمْ قُدَّامَ اللهِ"، وأعطى ساقيْهِ للريحِ، وفرّْ».
ولا شك أن انفتاح شعرنا الحديث على هذا النبع المتمثل في تراثنا الروحي يصل شعرنا بمعين لا ينضب له عطاء، ويمثل أملاً من آمال هذا الشعر في اجتياز أزمته الحالية».
أما القصيدة الثانية التي يمثل الوجدان الديني فيها البعد الأساسي في الرؤية الشعرية، فهي قصيدة «ترنيمة بلال»، حيث يمثل «بلال» فيها تجسداً آخر من تجسدات «الحلم المناضل»، ويحمل دلالات رمزية معاصرة، ويستغل الشاعر من شخصية بلال ـ  ـ ملمحين أساسيين: المؤذن، والمجاهد الصامد، فإلى جوار كون بلال هو مؤذن الرسول  فهو واحد من الذين تحمّلوا أقسى صنوف العذاب في سبيل عقيدته، وصمد صموداً فذا والمشركون يجرّونه في شعاب مكة، ويضعون الصخور على صدره ليُعلن كفره بالدين الجديد، ولكنه لم يكن يُحرِّك لسانه بسوى هذا الدعاء العلوي «أحد .. أحد». وقد امتزج هذان الملمحان امتزاجاً فنيا بارعاً، للرمز من خلال هذا المزج إلى انتصار صوت الحق دائماً في النهاية، واكتساح نور الحق لكل ظلمات الضلال والظلم، شريطة أن يجد هذا الحق أنصاراً في مثل صمود بلال، ومثل يقينه:
خلفَ النوافذِ حطَّ عصفورٌ شريدْ
نقرَ المساءْ
فافترّ عنْ فجرٍ جديدْ
فجرِ العصافيرِ التي
غَنَّتْ كثيراً للصباحْ
أحَدٌ .. أحَدْ
أحَدٌ .. أحَدْ
أحَدٌ .. أحَدْ
والليْلُ يرحلُ والجراحْ
والشمسُ شمسُ محمّدٍ
تجتاحُ مكّةَ والبِطاحْ
وبالإضافة إلى هاتين القصيدتين الكاملتين نجد هذا الوجدان الديني يترقرق عبر الكثير من جوانب رؤيته، ونجد المعجم الديني ـ وبخاصة المعجم القرآني ـ يمثل مكوناً أساسيا في الكثير من صوره وأدواته الفنية، فالذي يقرأ الصور التالية مثلاً «تعالَوْا نقرأْ "للمنصورةِ" فاتحةَ الوصْلِ ، … لوْ متنا فالقبْرُ مضيءٌ فيهِ الياقوتةُ خيْرٌ منْ ذهبِ الدُّنيا .. هأنذا أُبْصِرُ مقعدَنا منْ جنَّاتِ اللهِ العُلْيا ، والطيرُ الأخضرُ ينسربُ من الرُّوحِ ، ويَرِدُ الأنهارَ ، ويأكلُ منْ ثمراتِ اللهِ ، ويأْوي للقنديلِ الهابطِ منْ سقْفِ العرْشِ» (قصيدة «الأميرة تنتصر»)، و«في الفجْرِ تراني أخرجُ طفلاً عرياناً بين الرحمِ وماءِ الصلبِ الدّافقِ» (قصيدة «قنديل الحلم»)، و«نكص على عقبيْه وفر» (قصيدة «المهرج») و«يركب خيل الليلِ السريِّ، ويصحبُهُ طيْرُ أبابيلَ فيُمطرهمْ» (قصيدة «سيرة ذاتية للغناء على صهوة البرق»)، و «يسقطُ من عينيها ظل شعاعٍ فتانٍ، يبعثُ في الوهْمِ السُّفليَّ النارَ القدسيَّةَ، فأكادُ أموتُ وحيداً بين الطينِ ورحمِ الأرضِ الحبالى بالنور العلويّْ» (قصيدة «شجرة الحلم») .. الذي يقرأ هذه الصور وغيرها لا يُخطئ إدراك دور المعجم الديني في تشكيل هذه الصور، ومدى تغلغل الوجدان الديني في رؤيا الشاعر.
وهذا يقودنا إلى الحديث عن الأدوات الشعرية التي يستخدمها الشاعر في تجسيد رؤيته الشعرية، والحقيقة أن أدواته تمتزج امتزاجاً بارعاً بأبعاد رؤيته، وتتحد بها، إلى الحد الذي تُصبح فيه محاولة الفصل بين أبعاد الرؤية الشعرية وأدوات تجسيدها ضرباً من التعسف، ومن ثم فإن الحديث عن الأدوات الشعرية هو بالضرورة حديث عن الرؤية الشعرية التي تتقمّص هذه الأدوات.
وكما تعدّدت أبعاد الرؤية وتنوعت فقد تعددت الأدوات أيضاُ وتنوعت، وإن كانت الأداتان الأساسيتان في هذه المجموعة هما «الصورة» و«الرمز»، وإن كان الشاعر قد اعتمد إلى جانب ذلك على أدوات إضافية أخرى، كالأسطورة، ووسائل التشكيل اللغوي المتنوعة، والموسيقى، والمفارقة التصويرية، وبعض التكنيكات المسرحية كالحوار وتعدد الأصوات وتصارعها في القصيدة .. وغير ذلك من الأدوات الفنية المتعددة التي تمتزج وتتفاعل، ليُثري بعضها إيحاء بعض، ولتزيد بدورها الرؤية العامة في الديوان ثراءً وعمقاً ورحابة.
وقد تنوّعت المصادر التي يستمدُّ منها الشاعر مواد صوره ورموزه، فهو يستمدها تارة من الطبيعة، وتارة من التراث القديم والمعاصر، وتارة من الأساطير، وتارة من عالم اللاشعور حسبما تقتضي طبيعة الرؤية الشعرية.
ولعل أكثر رموز الطبيعة شيوعاً في المجموعة هي تلك الرموز التي توحي بالخصب والحيوية والعطاء، كالنهر والشجرة، وهما رمزان أساسيان من الرموز التي يتكئ عليها الشاعر اتكاءً كبيراً في الإيحاء بأبعاد تجربته، وتتعدد إيحاءات هذين الرمزين وتتنوّع، فلا يتجمّدان على إيحاء واحد؛ فالنهر مثلاً يرمز للعطاء والخصب «إنِّي أعرفُ كيْفَ يغيضُ النَّهرُ …، وكيفَ يفيضْ»، ويرمز للطهارة «أنزلُ للنَّهْرِ وأغسلُ وجْهي ، تتعلَّقُ بالثَّوْبِ الأبيضِ ذرَّاتُ الطَّمْيِ الأسمرِ»، ويرمز للقوة والتدفق والعنف والثورة «ينطلِقُ النِّيلُ حصاناً همَجِيَّ الخُطُواتْ»، ويرمز للأمل المرتقب «أتشهَّى جسَدَ امرأةٍ تطلُعُ منْ زهْرِ النَّارِ، وتُعطيني أحواضَ الدُّنيا، تمنحُني الكوْثَرْ». وقد يحمل كل هذه الدلالات ويشع بكل هذه الإيحاءات في آن واحد كما في قصيدة «نهر الغضب» ـ وهي مرثية لنجيب سرور ـ حيث يصبح النهر في هذه القصيدة رمزاً لكل المعاني السابقة «نهرُ الغضبِ المالئِ كلَّ شغافِ القلبِ أراهُ يفورُ ، ويملؤ كلَّ مساربِ تربتِنا القاحلةِ ، ويحملُ في راحتِهِ الخصْبَ … ويُمنِّينا أنْ يحملَ فوقَ قِلاعِ الغضبِ صباحَ العيدْ». وما يُقال عن النهر يُمكن أن يُقال مثله عن «الشجرة» وعن «النار» وعن «النور» وعن «العصافير» وغيرها من المعطيات التي استمدها الشاعر من الطبيعة ليشكل منها صوره ورموزه.
أما المصدر التراثي فإن الشاعر يلجأ إليه في بعض الأحيان، ويستمد منه أدوات ومعطيات يوظفها توظيفاً رمزيا بارعاً، كما فعل مثلاً في قصيدته «الأميرة تنتصر» ـ وهي واحدة من أجود قصائد المجموعة ـ التي اتكأ فيها على الموروث التاريخي، ووظفه توظيفاً رمزياً بارعاً يمتزج فيه المُعاصر بالموروث، والماضي بالحاضر امتزاجاً فنيا رائعا. وقد اختار الشاعر لحظة من أكثر لحظات موروثنا التاريخي إشراقاً ونصاعةً، لتكون هي محور البناء الفني في القصيدة، وهي معركة المنصورة، التي حقق فيها الجيش المصري الأيوبي المسلم بقيادة الملك الصالح أيوب ـ ثم زوجته شجر الدر وابنه تورانشاه من بعده ـ نصراً حاسماً على الجيوش الصليبية بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا، حيثُ عادت هذه الجيوش تجر أذيال الخيبة والهزيمة بعد أن تكبّدت أفدح الخسائر، وبعد أن أُسِر قائدُها لويس نفسُه. وقد استغل الشاعر المعطيات التراثية لهذه اللحظة بمهارة فنية واضحة، واستطاع أن يُوحِّد بينها وبين معطيات الواقع المُعاصر في رؤية شعرية شديدة الشفافية والعمق والبراعة، ولا يكتفي الشاعر بمعطيات هذه اللحظة فيرفدها بمعطيات تُراثية أخرى تزيد من نصاعتها وإشراقها:
«هذي "شجرُ الدُّرَّ" فكمْ يشتاقُ الصَّالحُ للضَّمَّةِ ! ، هذي قِطَعُ الليلِ القادمِ منْ دِمياطَ ، العابرِ لُجَجَ المتوسِّطِ لمْ تُرْهِبْنا ، لمْ نتبدَّلْ في النَّقْعِ (وكانتْ حين التحمَ الجيشانِ كسَدٍّ عاتٍ يحمينا منْ أسيافِ الأعداءِ ، وكانتْ تلثُمُ هذا الجمعَ المتشرنِقَ في الليلِ ، الباحثَ عنْ نورِ الفجْرِ) وأرضُ الباحةِ تمتلئُ بخيْلٍ يصْهلُ ، وبصُلبانٍ ، ونواقيسَ . ومئذنةُ الفجْرِ أراها تصرخُ في أعماقِ الجمعِ : صموداً . يُشرقُ خالدُ وابنُ الخطابِ وسعدٌ في الظُّلمَةِ أقماراً ، هذا وعْدُ اللهِ لنا ، لمْ يكتُبْ في اللوْحِ الباقي ـ للأبناءِ البررةِ ـ غيْرَ النصرِ ، فهاتي حضنيْكَ ، وهذي "المنصورةُ" تصبرُ وتقاتِلُ ، تنفضُ عنْ كتِفيْها ذُلَّ العُمْرِ ودَهْرَ السُّخْرَهْ ! »
ولا يقف استرفاد الشاعر للتراث عند حدود تراثنا القديم ـ بمصادره المتعددة ـ وإنما يتجاوز ذلك إلى تراثنا الأدبي المعاصر، فيستمد منه رموزاً تلائم طبيعة الرؤية التي يُجسدها، فمثلاً في قصيدة «ثلاثة أصوات ترسم النهاية» التي يُهديها إلى سر بدر شاكر السياب ـ تُصبح معطيات حياة السياب ومُعطيات شعره أدوات فنية في يد الشاعر، ورموزاً يُسقط عليها أشدَّ أبعاد رؤيته خصوصية وذاتية. وهكذا تتحول «إقبال» ـ زوجة السياب ـ و«بويب» ـ نهر جيكور الذي طالما غنّى له السياب ـ و«البصرة» ـ بلد الشاعر ـ و«لندن» ـ التي قضى فيها الشاعر مرحلة مرضه، و«الأقنان» ـ الذين كتب عنهم السياب أحد دواوينه «منزل الأقنان» ـ هكذا تتحوّل كل هذه المعطيات إلى رموز ووسائل إيحاء تمتزج برموز الشاعر الخاصة، وتتحد كل هذه الرموز بأبعاد رؤية الشاعر الذاتية في هذه القصيدة:
«إني أحمل في القلب حكايا وتراتيل
وباقة أشعارٍ خضراءْ
وتغريدةَ عصفورٍ،
أُطلقُها في أفيائكِ يا "لندنُ"
حتى تسكبَ موسيقاها
في شريان الشجرةِ "إقبالَ"
ويهدرُ قلبٌ أخضرُ:
عادَ يُغنِّي، يمشي مرفوعَ الهامةِ
يطرقُ أبوابَ الفجرِ
ويجلسُ مع أصحاب صباه مساءً
قُدّامَ الدارِ،
وأنت "بُويبُ" حزينُ، قل لي:
لمَ لا تُثمرُ أشجارُ حدائقِكَ اليابسةِ
لماذا لا ينطلقُ العصفورُ بنارِ الوصْلِ
ويحرقُ تذكاراتِ (الأقنانِ) التعسةِ والحلوهْ؟»
وهو يصنع نفس الصنيع في قصيدته «السمان والخريف» التي يستمد أدواتها من رواية نجيب محفوظ التي تحمل نفس الاسم، فالرمز الأساسي في القصيدة هو «عيسى الدباغ» بطل رواية نجيب محفوظ.
بل إن الشاعر يقوم في مجال استرفاد التراث الأدبي المعاصر بتجربة جريئة، حيثُ يُضمِّن بعض قصائده مقاطع كاملة من شعر أصدقائه من الشعراء العرب الشبان المُعاصرين، كما فعل مثلاً في المقطع الأخير من قصيدة «سيرة ذاتية للغناء على صهوة البرق»، وهو المقطع الذي يحمل عنوان «طائر الخرافة»، فقد ضمّن الشاعر هذا المقطعَ مقطعاً كاملاً من شعر الشاعر الأردني عبد الله الشحام:
«قالَ صديقي عبدُ اللهِ الشَّحّامُ قديماً
"فليحصُلْ ما يحْصُلْ
ولتُصبِحْ مأساتي صلصلةً وأزيزا
ولتُصبِحْ أُقصوصةُ حبي مَحْرَقَةً وخريفا
ولتنْدكَّ قلاعُ الكَفَرَهْ!
ولْيحْصُلْ غزْوٌ ما
هذا .. هذا
شاهدْتُ العالَمَ كالقائمِ
والمنكوبَ صليباً وغماما
شاهدْتُ الدُّنيا بالمقلوبِ
وشاهدْتُ البحْرَ على الشاطِئِ
يحملُ سيفاً ورصاصاً، ويُعيدُ عيوني»
ويُعلِّق شاعرنا في قصيدته على هذا المقطع بقوله:
«وكأنَ صديقي عبدَاللهْ
كانَ يُطالِعُ في اللوحِ المحفوظِ
فقالَ، وعاشَ، وشاهدَ ما أُبصرُهُ الآنَ»
وكأنما يُقدم التبرير الفني للجوئه إلى هذا التكنيك الشعري البارع، وهو وحدة الرؤية، ووحدة المُعاناة.
ولكن إذا كان الشاعر قد حقق هذا النجاح الكبير في استرفاده لموروثه العربي والإسلامي ـ القديم والمُعاصر ـ فإنه لم يكن على نفس هذا القدر من التوفيق عندما حاول أن يسترفد بعض التراثات الأجنبية، كالتراث الإغريقي مثلاً، حيث تبدو هذه التراثات غريبة على نسيج رؤيته الشعرية وطبيعة أدواته الفنية، ويبدو استخدامه لهذه الموروثات مجرد مجاراة لتيار اللجوء إلى التراثات الأجنبية، دون أن يكون في طبيعة الرؤية الشعرية ما يقتضي هذا اللجوء أو يبرره .. فضلاً عن أن هذه التراثات تظل غريبة على وجدان المتلقي العربي وذوقه، وهذا واضح في مقطع «مشهد الموت والميلاد» من قصيدة «شجرة الحلم» الذي اعتمد فيه الشاعر اعتماداً أساسيا على معطيات أسطورة «أوديب» الإغريقية، وقتله لأبيه «أيوس» ـ دون أن يعرف أنه أبوه ـ وزواجه من أمه «جوكاسته» ـ دون أن يعرف أنها أمه ـوقد فقأ عينيه وقتلت أمه نفسها بعد اكتشاف الحقيقة .. فعلى الرغم من أن الشاعر نجح في أن يُحمِّل هذه المعطيات بعض رؤيته العامة في القصيدة فإن هذه المعطيات تظل ـ رغم ذلك ـ غريبة على النسيج العام للرؤية الشعرية .. وطبيعة الأدوات الأخرى المستخدمة في تجسيدها.
*
أما بالنسبة للموسيقا في الديوان، فيستلفت النظر فيها ظاهرتان:
الأولى: أن الشاعر استخدم وزناً واحداً في معظم قصائد الديوان؛ فجاءت قصائد المجموعة باستثناء عدد قليل منها من «بحر الخبب» الذي هو أحد صيغ «بحر المتدارك»، ووحدة إيقاع هذا البحر «فعلن»، وموسيقى هذا البحر على قدر كبير من الاضطراب بطبيعتها وقريبة من النثرية والركاكة الموسيقية، ولكن شاعرنا نجح في إن ينأى بإيقاعه الموسيقي ـ إلا في مواضع قليلة ـ من هذه الركاكة الموسيقية التي هي سمة طبيعية من سمات هذا الوزن.
أما الظاهرة الثانية فهي استخدام الشاعر لأسلوب «التدوير» استخداماً بارعاً في هذه المجموعة. و«التدوير» ظاهرة أخرى شاعت في نتاج الشعر الحر شيوعاً لافتاً للنظر .. بحيث أصبح استخدام معظم الشعراء له لوناً من التقليد والمُجاراة للآخرين دون أن يكون في طبيعة الرؤية ما يُبرر استخدام هذا الأسلوب .. فضلاً عن أن الاستخدام غير الواعي لهذا الأسلوب يُضاعف من ظهور النثرية والركاكة الموسيقية في معظم نماذج الشعراء الشباب، ولكن شاعرنا واحد من الشعراء الشباب القليلين الذين ينجحون ـ في معظم الأحيان ـ في السيطرة على هذا الأسلوب وتجاوز مزالقه، خاصة وأن رؤيته في هذه المجموعة فيها من التدفق والاطراد ما يُلائم هذا الأسلوب الموسيقي .. وإن كان الشاعر لم يسلم تماماً من الوقوع في مزالق النثرية وعدم الانضباط التي يقود إليها استخدام هذا الأسلوب.
وقد وضع الشاعر بعض الضوابط الموسيقية الفنية على تدفق هذا الأسلوب غير المنضبط، بأنه كان يلجأ إلى عدد من القوافي تكون بمثابة محطات، يتوقف عندها تدفق الإيقاع، ويستريح معه القارئ، فكانت بعض القصائد تتكوّن من مجموعة أبيات طويلة مدوّرة موحدة القافية. والنموذج على ذلك قصيدته «الأميرة تنتصر» التي تتألّف من ثمانية أبيات مدوّرة طويلة، يصل طول بعضها إلى ما يقرب من مائة تفعيلة، وكل هذه الأبيات مبنية على قافية موحّدة، حيث تتوالى قوافي الأبيات الثمانية على النحو التالي: «البررة. المندحرة. الوعرة. الشجرة. المستعرة. الدرة. السخرة. السترة».
وفي القصائد التي تتألّف من مقاطع منفصلة كان الشاعر يبني كل مقطع من مجموعة من الأبيات المدورة الموحدة القافية، ويغيِّر القافية من مقطع إلى آخر.
كما كان الشاعر يلجأ في بعض القصائد إلى استخدام أبيات قصيرة غير مدورة، إذا كان في طبيعة الرؤيا ما يقتضي ذلك، كما في قصيدة "نهر الغضب" وهي مرثية كتبها للشاعر نجيب سرور .. شاعر الثورة والغضب، ففي هذه القصيدة يستخدم الشاعر ـ إلى جانب الأبيات الطويلة المدورة ـ أبياتاً قصيرة غير مدورة، فحين تهدر رؤيته بالغضب والثورة يتدفّق الإيقاع هادراً في أبيات مدورة، على قدر واضح من الطول والتدفق، أما حين يطغى عليه الحزن فإن الأبيات تقصر، وتأخذ صورة الندب شكلاً وإيقاعاً، كما في المقطعين الثاني والثالث اللذين يندب فيهما الشاعر نجيباً:
2
*لكنَّ نجيباً غابْ
*والفجرُ الأخضرُ كنتُ أراهُ على الأبوابْ

3
*منْ قتَلَ نجيبْ ؟
*والليلُ كئيبْ ؟
وهذان المقطعان يتوسطان مقطعين آخرين يتألف كل منهما من بيتين طويلين مدوّرين، يتدفقان بالغضب، ويبلغ طول بعض الأبيات المدورة أكثر من ثلاثين تفعيلة، كما في البيت الأول من المقطع الأول، الذي يقول فيه الشاعر:
*نهرُ الغضبِ المالئِ كلَّ شغافِ القلبِ أراهُ يفورُ، ويملؤ كلَّ مساربِ تربتِنا القاحلةِ، ويحملُ في راحتِهِ الخصْبَ، اندفعتْ منْ شرنقةِ الليلِ نساءُ الفجْرِ، هتفْنَ بصوتِ الغضبِ الثورةِ: هذا النهرُ عنيدْ
هكذا يُسيطر الشاعر على أدواته، وهكذا تُصبح الموسيقى وسيلة إيحاء وتعبير وليست مجرد إطار نغمي عام، وإنما هي كالصورة، والرمز واللغة تتشكل بشكل الرؤية الشعرية وتُجسدها.
وبعد؛
فأرجو أن تكون هذه القراءة النقدية لمجموعة الصديق الأستاذ حسين علي محمد إسهاماً متواضعاً في إلقاء بعض الضوء على جهود شعرائنا الشباب، ومحاولتهم النبيلة تحدي كل عوامل الإحباط واليأس التي تُطالعهم من كل أرجاء الواقع المُحيط بهم ..
كما أرجو أن تكون تحية مخلصة للشاعر، وكل الذين يشاركونه محاولة الاحتفاظ للكلمة الشعرية بنصاعتها وتألقها من ذوي الأحلام النبيلة المُناضلة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:00 pm

رسالة ماجستير
للباحث السيد مختار جاب الله الحسيني القهوجي
كلية الآداب ـ جامعة المنصورة 2007م.
شعر حسين على محمد (1977م - 2000م): دراسة فنية
عرض: فرج مجاهد عبد الوهاب
«يقدم هذا البحث نموذجا شعريا معاصرا يجهله كثيرون، عن أحد الأصوات الشعرية المعاصرة فى محافظة الشرقية بمصر.
... حالة هائمة من الاغتراب عبر عشرين عاما من الترحال المتواصل .. كونت وجدانه، ورسخت قدرا هائلا من التأزم فى مخزونه الانفعالي. إنه الشاعر حسين على محمد أو الصوت المرتحل دائما فى الشاطئ الأخر..
كتب شاعرنا عبر مدة الدراسة ما يناهز الثلاثة عشر ديوانا فأعطى لقرائه مساحة شافية من التدبر الموضوعي ، وأعطى لنقاده مساحة أرحب من التدبر النقدي والفني، وعكس فى إنتاجه هذا قدرا هائلا من همومه الخاصة، التي تنطلق دائما من الحيز الاغترابي النفسي، كذلك الهموم الجمعية التي تشكل وجداننا المعاصر المتأزم ، والمتعطش إلى صنوف من الطمأنينة النفسية والوجدانية والاجتماعية والاقتصادية».
بهذه السطور يقدم الباحث السيد مختار جاب الله الحسيني القهوجي لبحثه الذي نال عنه درجة الماجستير بدرجة امتياز مؤخرا من قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة المنصورة تحت إشراف الدكتور عبد الحميد عبد العظيم القط أستاذ الأدب والنقد بكلية التربية جامعة المنصورة ود. مختار عطية عبد العزيز أستاذ الدراسات البلاغية المساعد بكلية الآداب جامعة المنصورة، واشترك فى المناقشة د. حلمي بدير أبو الحاج الأستاذ المتفرغ بآداب المنصورة ود ، محمد مصطفى أبو شوارب رئيس قسم اللغة العربية بكلية التربية جامعة الإسكندرية.
والرسالة تقع فى ما يقرب من (760) سبعمائة وستين صفحة وتنقسم إلى تمهيد وبابين ثلاثة وتوصيف إحصائي وقد اتبع فيها الباحثُ المنهج التكاملي الذي يوظف المناهج النقدية الأخرى مجتمعة للبحث والتحليل ، مثل المنهج التاريخي والمنهج النفسي والمنهج التحليلي الموضوعي ثم المنهج الفني .
فى التمهيد يقدم الباحث تعريفا شافيا بالشاعر الذي ولد بقرية العصايد مركز ديرب نجم بمحافظة الشرقية بمصر فى الخامس من مايو سنة1950م، ودخل الكتاب وهو دون السابعة فأتم حفظ ما يقرب من نصف القرآن، ثم ترك الكتاب ليكتفي بالدراسة المدنية. وكانت لتلك النشأة الدينية فى القرية آثارها فى تحديد التوجه الثقافي له، فظهر ذلك فى إنتاجه الشعري والتوجه القرآني.
ويعترف الشاعر بفضل والده عليه الذي كان يعمل بالتجارة وكان يلبى كل احتياجات الشاعر التي تختص بالقراءة حتى أنه اشترى له (سيرة النبي) لابن هشام و(صحيح مسلم) و(تجريد الأغاني) لابن واصل الحموي وهو فى المرحلة الإعدادية. بالإضافة إلى نحو خمسمائة كتاب من سلاسل وزارة الثقافة. الأمر الذي ساعده على نشر مقالاته وهو فى الصف الأول الثانوي. بمجلة "الإصلاح الاجتماعي" عن مجموعة «لغة الآي آي» ليوسف إدريس الذي كان معجبا به. وتواصلت المسيرة فى الجامعة فى قسم اللغة العربية بآداب القاهرة فتأثر بالأساتذة الدكاترة: شوقي ضيف، ورشاد رشدي، وحسين نصار، وعبد المحسن طه بدر، وعبد المنعم تليمة، والنعمان القاضي.
ثم عمل بالتعليم العام بعد حصوله على الليسانس، ثم تقدم للماجستير فحصل عليها فى المسرح الشعري عند عدنان مردم بك. كما حصل على الدكتوراه فى الأدب المعاصر سنة 1990م.
وكان أول مقال فى حياته نشر فى مجلة «الرسالة» عام 1964م بعنوان «أفريقيا فى شعرها شم الرفاعي»، ثم نشر مقالين أو ثلاثة فى بريد القراء بمجلة «الثقافة»، ثم نشر أول أعماله وكان ديواناً بالعامية المصرية بعنوان «عشان مهر الصبية» فى بداية 1969م ثم نشر الديوان الثاني «المغناوي» فى منتصف 1972م، عن سلسلة «اخترنا للفلاح»، بعدها ترك شعر العامية إلى الآن.
وأصدر عشر مجموعات شعرية في فترة الدراسة، هي: «السقوط فى الليل» 1977م، و«شجرة الحلم» 1980م، و«أوراق من عام الرمادة » (1980م)، و«رباعيات» 1982م، و«الحلم والأسوار » 1984م، و «الرحيل على جواد النار» 1985م، و«حدائق الصوت» 1993م، و«غناء الأشياء» 1997م، و«النائي ينفجر بوحاً» 2000م. كما قدم العديد من المسرحيات الشعرية، ومنها: «الرجل الذي قال»، و«الباحث عن النور»، و«الفتى مهران 99»، و «بيت الأشباح»، و«سهرة مع عنترة»، و«الزلزال».
وله «مذكرات فيل مغرور»،وهي شعر قصصي للأطفال ..
هذا بالإضافة إلى عشرات الدراسات النقدية والكتب الإبداعية الأخرى ..
فى الباب الأول يتناول الباحث «شعر حسين على محمد .. الموقف الفكري» فنجد الفصل الأول بعنوان الرؤى الموضوعية العامة قراءة وتحليل ونقد ، فقد كان للشاعر رؤى فكرية منوعة تجاه قضايا حياتية خاصة وعامة تشكلت بفاعلية ونضج فى إبداعه الشعري فكان يرى المرأة من منظوره عاطفي خالص ، بعيدا عن التعقيدات الفكرية المتشابكة ، فجاءت المرأة فى شعره انسيابية / براقة / من الوجهة العاطفية .
كذلك استثمر غرض المدح ليدعم الصلات النفسية بينه وبين الأصدقاء والأسرة والرموز القيمة التي أثرت فى حياته
أما الرثاء فكان وسيلته الفاعلة للتعبير عن انكسار الذات والبحث عن المفقودات، فكان ينتقل دائما من العام الى الخاص، وكانت انطلاقته الأكثر فاعلية عندما عبر عن اغترابه داخل الوطن وخارجه مدعما رؤاه الاغترابية بمنظومة حاكية تامة النضج طرفاها ( الموت والحنين ) . أما رؤاه الإسلامية فاستحدث فاعليتها من تفعيل بعض الرموز الإسلامية الخالدة وإعطائها أدواراً معاصرة للذود عن هموم المسلم المعاصر .
ويتناول البحث الرؤى الموضوعية للمضامين التقليدية من الغزل والمدح وقضايا الرثاء وصنوف الاغتراب، ثم الرؤية الوطنية ومنظومة الوطن من حيث المفهوم العام والقيمة، والرموز ، الثورة ، قضايا وأحداث خالدة .
أما الفصل الثاني: «من قضايا الذات الشاعرة» وهو قراءة نقدية فى المؤثرات والمضامين وفيه يتناول أربع فرضيات بحثية – شكلت قضايا فكرية ومواقف عقلية أصيلة في الموقف الفكري لدى الشاعر، أولها: العوامل النفسية الضاغطة التي شكلت تجربته النفسية المغلقة. ثانيها: يتناول الحلم الذي صنعه شاعرنا شعرا تميز بالفردية حينا وبالجمعية حينا آخر، ومع الآخر فى موضع ثالث. ثالثها: مواجهات متأزمة بين الذات الشاعرة والآخر، وهى مواجهات ذات طابع تصادمي يرصده البحث مبررات تداعياته، وماهية الصدام وكيف ينعكس على الموقف الفكري. رابعها: الرؤى النقدية المتفاوتة من حيث الأهمية لشاعرنا وهى ثلاث فئات، نقد الشاعر لذاته ، نقد الشاعر لقضايا سياسية ، نقد الشاعر للواقع الجمعي.
استدعاء الشخصيات التراثية والحس القصصي الشعري
يرى الباحث أن شاعرنا عندما يوظف شخصياته التاريخية والتراثية لا يقصد التواصل الضمني والفني مع إيقاع الحياة المعاصرة فحسب، بل هو فى المقام الأول تحاول مجاراة ما يقبع داخل نفسه من هواجس وآلام وصراعات، ويحاول خلالها التنفيس الانفعالي عن عواطف ضاغطة من التوتر والقلق بفعل الغربة ، فكل شخصية يصادقها شاعرنا ( مستدعيا / موظِّفا ) تمثل قضيتها جانبا ما فى حياته، ونفسه، ويرى الباحث أيضاً أن الحاجة الإبداعية قد ترفع الشاعر أيضا إلى أبعد من مجرد التستر وراء حجاب أو قناع مهربا من قهر بعض السلطات التي اعتادت قصف الأقلام، فالشاعر العربي المعاصر ربما احتاج من خلال استدعاء الشخصيات التراثية إلى تبنى قضايا بعينها هي قضايا شخصياته المستدعاة وقد تكون قضاياه هو، من وحي أزمته الخالصة فيتنفس عن أزمته تلك تنفيسا لا إراديا، كذلك قد تعلن الشخصيات المستدعاة عن مواجهات صاحبها النفسية والفكرية والاجتماعية ولعل صاحبها يستملح كثيرا أن يعبر عن نفسه من خلالها، وهى تشير أيضا إلى نوعية ثقافية صاحبها.
ويتناول البحث بعد ذلك مصادر الشخصيات التراثية فى شعر حسين على محمد، ووجوه التأزم فى قضايا الشخصيات التي استدعاها، والتقنيات الفنية في استخدام الشخصية التراثية، ثم المآخذ التي رآها الباحث على ظاهرة استدعاء الشخصيات التراثية عنده.
أما الحس القصصي عند الشاعر فيقدم الباحث عنه قراءة فى المحتوى والتقنيات فيتناول الأنساق المضمونية لتجارب الحس القصصي من خلال قصيدة ( عصفوران ) المنشورة بديوان «حدائق الصوت»؛ حيث يصنع النسق القصصي مقاربة ذكية مركزة بين قصة العصفورين المتحاربين / المنهارين وبين أزمة الإنسان المعاصر فى افتقاد القيمة مدفوعا بالضغوط الحياتية.
وقد استعان شاعرنا بتقنيات الحس القصصي فى شعره من فني القصة والمسرح وأعانه ذلك على خلق حس قصصي دينامي في قصائده تشكل من مخزونه الانفعالي بالحدث / القضية الفكرية التي يتبناها ذاتيا / جمعيا، واستعان بالسرد والحوار واللغة، والشخصيات /و الراوي والصراع الدرامي ليقدم نصَّه الجديد.
الدراسة الفنية
والباب الثاني من الدراسة يتضمن الدراسة الفنية لشعر حسين على محمد من خلال فصول ثلاثة يتحدث الفصل الأول: عن الموسيقى فى شعر الشاعر، وكانت رؤية الباحث تتمثل فى البحث عن القيم الفنية الجمالية والفكرية عبر أطر عدة.
الأول: دراسة موسيقاه الظاهرة عبر شعره التفعيلي / العمودي ، واضعا فى الاعتبار الاعتماد المنهجي على أوزان الخليل.
الثاني:: الوقوف عند أهم مثيرات الإيقاع الداخلي لفظا ومعنى وأكثرها شيوعا .
الثالث: الموسيقى الشعرية وقد ارتبطت ارتباطا تلقائيا وثيقا بفكره ومضمونه ، كما نلتمس ضربا من ضرب تلك العلاقة الجدلية بين البحر وقوافيه / والمضمون من وجهته الدلالية ، وذلك لرسم رؤية نقاشية جدلية قد تربط بينهما.
واللغة والتركيب عند شاعرنا لغة معاصرة تميزت بإطارها التصويري فكانت أداة منطقية لمزج المركبات الحسية بالمشاعر والانفعالات على المستوى المعنوي المجرد ، قد تتميز بالحزن أحيانا.
أما الصورة الفنية فيقسمها الباحث إلى ثلاثة أنماط موضوعية وهى:
1 -الصورة الدرامية.
2 –الصورة الذهنية / التجريدية
3 –الصورة الحسية.
وعن الصورة الشعرية الفنية ذات الحس الدرامي يرى الباحث أنها هي النمط التصويري الأكثر شيوعا / قيمة / تأثيرا ، لأنها كما يرى تتناسب موضوعيا وطاقات البوح تلك التي شكلت معظم الرؤى الموضوعية شديدة الذاتية لدى شاعرنا ، فهو يملك قدرة فنية موضوعية لافتة دأب من خلالها على الصراخ والبوح الذاتي، لذلك كان ميلة المنطقي للأبنية الدرامية ذات الحس الدرامي بما فيها من طاقات تصويرية خلاقة تستوعب فنيا كل أنماط التأزم التي قد تحتاجها. وقد تأثرت بالأدوار البلاغية لفنون التشبيه / الاستعارة / الكناية / وكذلك البناء النامي وطاقات السرد التصويري البلاغي.
ومصادر الصورة الفنية عند حسين على محمد هي:
1 - مصادر حسية، وهى حية ومتحركة وحسية ثابتة.
2 –مصادر معنوية / موروثاته فكرية ، وهى الموروث الديني، والموروث الاجتماعي، والموروث الشعبي، والموروث الثقافي.
كما تلعب وظائف الصورة الفنية عنده أدواراً وجدانية وجماليه لتدعيم الرسالة النصية فى ذهن المتلقي، وأدواراً للتقريب والتوضيح لتحقيق مصداقية البوح الذاتي، كما أن لها وظيفة نفعية للقيمة الدينية الوعظية.
ولا شك أن هذا التنوع الكيفي لأنماط الصورة عند حسين على محمد قد أعطى فرصة فنية قيمه لتنوع مصادر الصورة الفنية ووظائفها.





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:01 pm

رباعيات حسين علي محمد
بقلم: أ.د. حلمي محمد القاعود
الشاعر الشاب حسين علي محمد له تجربة طيبة في عالم الشعر، وقد أخرج أكثر من مجموعة شعرية معظمها بالجهد الشخصي الشاق، وقد أصدرت له هيئة الكتاب منذ فترة مجموعة باسم "شجرة الحلم" نالت إعجاب ناقد كبير، ممّا حدا به إلى الكتابة عنها في مقدمتها.
وتأتي "رباعياته" التي صدرت مؤخراً ضمن مطبوعات جماعة "أصوات" لتحمل روحاً شفافة تفيض بالعذوبة والأشواق، وتغزو عالماً زاخراً بالألم والأمل، وترتكز على قاعدة من الحلم الجميل بالغد الأفضل والأكرم.
إنها ـ أي المجموعة ـ مناغاة للواقع المرير برؤية صافية، وترصد السلبيات والإيجابيات بلغة الشعر، مع لمسات من الأسى تطفو على السطح بين الحين والحين.
والجديد في هذه "الرباعيات" أن الشاعر قد تخلّى عن الشعر المرسل أو شعر التفعيلة تماماً، وأثيت وجوده ـ ربما لأول مرة ـ في عالم الشعر المُقفّى ذي الشطرين، من خلال أداء راق يؤكِّد أن هذا الشعر يملك إمكانات مذهلة لو وجد الشاعر المُجيد الذي يستطيع امتلاك ناصيته.
قد تبدو بعض الألفاظ غريبة على أذن القارئ أو قاموس الشاعر، مثل "النبيذ" في الرباعية الثانية، أو "عنصريا" في الرباعية الثامنة، ولكن هذا لا يُقلل من هذه المجموعة التي تتألّق بمعانقة الإنسان والانحياز له.
يقول في الرباعية السادسة والثلاثين، والتي تُذكِّرنا بنغمات الشعر الفارسي:
قدْ أهاجتْني دموعُ العاشقينْ .:. في عذابٍ لفـــــراقٍ أوْ لِقاءْ
قدْ قضيْتُ العمْرَ بحثاً عنْ جبينْ .:. تُشرقُ الفرحةُ فيهِ والصَّفـــاءْ !
وفي الرباعية السابعة والعشرين يقول:
لمْ تُحَرِّكْني دفوفُ الأرْضِ يوْما .:. أوْ غِناءُ المُطــرِبِ الموْهوبِ ليْلَهْ
قدْ قَضِيْتُ العمْرَ تسبيحاً وصَوْما .:. في ظـلامِ الليــلِ أشتاقْ الأهِلَّهْ !
ومن خلال هاتين الرباعيتين يستطيع القارئ أن يُدرك مدى سيطرة الشاعر على ناصية الشعر
................................
*مجلة "الإذاعة والتليفزيون"، العدد (2500)، في 12/2/1982م.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:03 pm

قراءة في ديوان
«النائي ينفجر بوْحاً إلى فاطمة»

بقلم: أ.د. أحمد زلط
أمّا قبل:
فثمة حقيقة غائبة يجب أن نُفصِح عنها قبل الدخول إلى التجربة الشعرية الإنسانية في ديوان حسين علي محمد الذي بين يدي القراء، والمعنون بدلالة لفظية أو فكرية تقول "النائي ينفجر بوْحاً إلى فاطمة"، أما الحقيقة فمفادها متابعتي النقدية لكل عطاء يثمره الشاعر أو يُطالعنا به، وليس قلمي فيما قد يظن البعض هو الوحيد المتابع، بل هناك عشرات الأقلام التي تابعت نتاج الشاعر في الربع الأخير من القرن العشرين، أمثال الأساتذة والدكاترة: طه وادي، وعلي عشري زايد، وحلمي القاعود، وصابر عبد الدايم، وحامد أبو أحمد، وحسني سيد لبيب، ومحمد جبريل، ومصطفى النجار، وأحمد سويلم، وأحمد فضل شبلول … وغيرهم.
إن جيل السبعينيات والذي تحول إلى تجمّعات أدبية أشبه بالمعادل الموضوعي الذي تحقق حلمه في الطموح الإبداعي غداة انتصار 1973م، ألفيناه يتجمّع في جماعات أدبية، مثل: الكلمة الجديدة، وأصوات معاصرة، وفاروس، وإضاءة … وغيرها، ولقد نحتت هذه الجماعات نقّادها، وقدّمت إلى الساحة الأدبية نخبة من المبدعين طوال الربع الأخير من الألفية الثانية، وكانت المتغيرات المحيطة بجيل السبعينيات في قوتها واندفاعها كفيلة بأن تعكس هموم هؤلاء وأولئك بنفس فدر التطلع إلى حلمهم الإبداعي المشروع الجميل.
في ضوء تلك التوطئة خرجت إلى النور "أصوات معاصرة" ممثلة لما ذكرناه، منذ أن أصدر مؤسسها حسين علي محمد عددها الأول في أبريل 1980م.
ومن المنطقي أن يكون من بين كل تجمّع أدبي الأقلام التي يقع على عاتقها هم الإبداع الأدبي ونقده، في خط مساوٍ لهموم النشر والتوزيع، ذلك أن المجهودات الفنية والطباعية والتسويقية وغيرها عبّرت عن إرادة جيل أدبي لفّه الانكسار ـ مع أنه جيل الإنجاز ـ كانت أقلام حسين علي محمد، وصابر عبد الدايم، وأحمد زلط تختط مع بقية جماعة "أصوات معاصرة" طرائقها، وتحدّد ملامح رسالتها، وتنوّعت التجربة عند كل في الشعر والقصة والمسرحية والنقد، كأنما تتكرّر تجربة الأجيال الروّاد الأوائل الذين قادوا النهضة الأدبية في الأدب المصري، بل الأدب العربي الحديث، حيث عضّد كل قلم الآخر، في موضوعية وصدق، ولذلك تواصلت نجاحات "أصوات معاصرة" من طباعة "الماستر" المحدود إلى الطباعة المعاصرة الفاخرة، وهي في ضوء ذلك وعاء لمحتوى رصين وباق، لا يكتب المكرور والتافه، ولا يقصد إلى إزهاق روح المتلقي بأفانين ما بعد الحداثة.
ومؤسس الجماعة (حسين علي محمد صاحب هذا الديوان الجديد) يمتلك مع زميليه صابر عبد الدايم وأحمد زلط آفاق التجديد، لكنهم لا ينطلقون إلا من ثوابت أصيلة في أرض الواقع إلى فضاءات التجديد المحلقة النقية التي تبني ولا تهدم، ويقيني أن عدة طبعات في عشرات من العناوين لأقلام هؤلاء في الإبداع والنقد كفيلة بالرد على كل راصد للحركة الفاعلة في جماعة "أصوات معاصرة" وحيويتها.
إن الحرية الفكرية أو مبدأ الاستقلال لفكري عند هؤلاء لم يكن ليمنع من تحقيق رسالتهم الجماعية (الأدب العربي المعاصر: حق وخير وجمال)؛ فلكل خطه الإبداعي أو نهجه الفكري الفردي، لكنه لا يتعارض مع كون "أصوات معاصرة" رسالة تبني وتعلو، وبحمد الله لم تؤطَّر "أصوات معاصرة" في أي منحى إيديولوجي أو مادي، ذلك لأن أصحابها أدركتهم هواية الأدب، ونوافذ أحلامه المعطّرة بأنداء الحياة.
أبعاد التجربة الإنسانية في ديوان
"النائي ينفجر بوْحاً إلى فاطمة"
بين يدي القراء ديوان صغير الحجم، كبير القيمة، أسماه صاحبه الشاعر حسين علي محمد "النائي ينفجر بوحاً إلى فاطمة"، ويضم عشرين قصيدة، منها التجربة المطولة والتجربة المكثفة، وهي نصوص شعرية ناضجة كعهد القارئ بالشاعر في إصداراته الأخيرة غنائية أو درامية. وعنوان الديوان من العناوين المستقاة من وحي غربة الشاعر حيث يعمل بالمملكة العربية السعودية، ولا ينخدع القارئ بأن عنوان الديوان تكرار لتجربة الغربة في ديوانه السابق "غناء الأشياء" الذي أهداه لفاطمة؛ فالبوح هنا غناء في أبعاده الإنسانية المستجادة، حول الفراق أو الموت، وثلة الأصدقاء، وهي في عمومها غنائيات تدور في دائرة البعد الإنساني (الأسري / العائلي)، ولم تشذ عن هذا الاتجاه العام إلا قصائده:
1-الجنرال والوطن المنفى.
2-الشاعر والجنرال.
3-سبع سنبلات خضر إلى بغداد
4-هوامش المسلم الحزين.
بينما عبّرت ست عشرة قصيدة عن الأبعاد الإنسانية التي ألمحنا إليها، وهي قصائد:
1-فراشات زرقاء.
2-أغان صغيرة إلى فاطمة.
3-عرس أمينة.
4-صبيحة الغياب.
5-انكسار.
6-رحيل آخر 1996.
7-النائي ينفجر بوحاً إلى فاطمة.
8-الصارخ في البرية.
9-فخاخ الصحراء.
10-الغائب.
11-.. ونام في سلام.
12-حوار سيدين في مطلع الرحيل.
13-دموع الحاسوب.
14-مكان بالقلب.
15-أحزان صباحية.
16-القاهرة 1968.
وسنحاول استقراء النص الشعري لغةً وفكراً وبناءً في مجموع قصائد الديوان، وليكن استهلالنا في مقاربة تللك النصوص التي تتكئ على علاقة المثقف بالنخبة العسكرية، ثم مردود فعل العسكر في نص "هوامش المسلم الحزين"، يقول الشاعر حسين علي محمد في قصيدة "الجنرال والوطن المنفى"، يخاطب الجنرال المتوهم بالغزو، وأم معارك النصر، وما آل إليه فعله الأحمق:
ماذا تفعلُ
تحت غيومَ الوطنِ
المُثقَلِ بالفقْدِ ،
وأوحالِ الدَّاءْ ؟
خُضتَ بحارَكَ حتَّى الرَّقَبَهْ
هلْ كان الموتُ يُسابِقُ حُلْمَكَ ..
يَسْرِي في نبْضِ دِماءْ
تُعلِنُ عنْ ليْلٍ يتخفَّى
تحت الأضلاعِ الستة للنجمةِ
في الأنحاءْ ! (ص21)
لقد أجاد الشاعر وصف الجنرال في عناده وغيه، وفي تعطشه الدموي، وفي أوحال يجول ويصول فيها العسكر الذين أذاقوه الخزي والعار، وجعلوه يردد طعم المذاق المر / العلقم: الانتصار!
وفي مقطع لاحق من القصيدة يفطن الشاعر إلى فداحة جرم الجنرال الذي عذب وطنه، بل أوجد ـ بعناده ـ عذاباتٍ وجراحاً لا تندمل، وقد استعار الشاعر تفصيلات الزمن في المقطع كي يؤكِّد على طول المعاناة، وآثلر الذكرى الأليمة التي تُشبه العلقم، نتيجة وسبباً لخيلاء الجنرالات، أو عنادهم البغيض.
يقول الشاعر في رسم تصويري يُجسِّد العار:
نمشي فوقَ مناكِبِ قتلانا
كلَّ مساءْ
تصفعُنا ذكراهُمْ
ليلاً ،
فجْراً ،
ظُهْراً ،
عصراً ،
صيفاً ،
وشِتاءْ
فلماذا تُمسِكُ مرآةَ الأيامِ السوداءْ
وتُحدِّقُ في الأُفْقِ المجدولِ بعارِكَ
في خُيَلاءْ ؟ (ص21،22)
ويبدو أن الشاعر حسين علي محمد لم يكف عن إلقاء السؤال مرة أخرى في قصيدة ثانية مماثلة، بعنوان "الشاعر والجنرال"، حيث يتساءل في مطلع استهلالي قائلاً:
لا تسألني عن آخر أشعاري
فأنا في الليلِ الدَّامسِ .. أخطو
ولحفلٍ شرسٍ أدعو الغربان
وفوقَ الطَّاولةِ المملوءةِ بالجثثِ المذبوحةِ
والخُطَبِ النَّاريَّةِ
ودسائسِ أولادِ القَرَدةِ
أخطُبُ ..
حتى يتثاءبَ في الليلِ الآتي
ظِلُّ غزالٍ يُشرقُ في برْقٍ ونُعاسْ (ص24)
والتجربة ـ كما نلاحظ ـ في هذا النص مغايرة لنصه الأول "الشاعر والوطن المنفى"، وإن بقيت الصورة النفسية لسيكولوجية الجنرال، تومئ للطغاة أينما كانوا، لكن الشاعر في ظل إجاباته عن تساؤلاته، يلعب دوراً إيجابيا مأمولاً من المثقف أمام الطغاة من العسكر.
إن لعبة تحييد البعض، وتجنيد بعضهم على بعض، أو التهديد بالسجن ـ وما أدراك ما سجن العسكر! ـ … وغيرها أضحت ـ كلها عند شاعرنا ـ غير ذي بال، فالشاعر هنا يقف مقاوماً، منوباً عن المقهورين والمظلومين، ومن ثم فإننا نراه ينتظر السياف:
حدُّوا شفْراتِكمو المُتأجِّجَةَ لبعضِ الموتْ
الرابضِ بينَ دمي والحرفْ
وليحفرْ كلٌّ منكمْ قبْرَهْ
وليعزِفْ موسيقاهُ السَّوداءْ

أبْعِدْ عنِّي يامسْرورْ
هذا الكذَّابَ المُختالْ (ص25)
يا تُرى كم صاحب قلم تحوّل إلى مُقاوم يقاتل كل محتال كذّاب بحد السيف وحد الكلمة المقاومة الحقيقية التي هي حدُّ الحق؟! حتى يتحوّل "مسرور" أداة الجنرال الطاغية وسيافه إلى رجاء يكشف احتيال وكذب الجنرال المختال طوال الوقت.
إن الشاعر إزاء السلطة في موقف فكري منشود يتكرّر بالإلحاح الصادق:
لا تسْألْني
هلْ هذا آخرُ شعرِكْ ؟
آخرُ شعري لمْ يُكْتَبْ بعْدْ !
فاكتُبْهُ أنتْ (ص28)
وقد يقول قائل إن الشاعر تراجع عن موقفه كبطل إيجابي مقاوم، وترك أغلى ثرواته، وهي هبة الفكر ووميض الإبداع: الشعر، حين تركه للجنرال وأعوانه يكتبونه، ومما لا شك فيه أن شعرهم سيكون النقيض الذي يكون معاكساً للحياة وتدفقها، بينما شعر الشعراء رسالة تحتاج إلى مناخ يكون أكثر وعيا بالحياة وصدقاً في تصويرها، لا كذباً أو تسلطاً أو اختيالاً، وهذا ما قصده شاعرنا من تهكمه اللاذع في سطره الساخر الأخير "فاكتُبْهُ أنتْ".
إن إتباع قصيدة "الجنرال والوطن المنفى" بقصيدة "الشاعر والجنرال" لا يعني أنهما متصلتان معاً بروابط فنية، أو أن القصيدة الثانية امتداد للقصيدة الأولى، أو هما ثمرتان لتجربة شعرية واحدة، كلا .. رغم أن "الجنرال" اسماً وصفة يظل كما هو بسلوكه العدواني ـ أو الفردي ـ غير أن التجربة عند الشاعر حسين علي محمد في القصيدتين ليست واحدة، بل متعددة التأويل.
أما ما نحمده للشاعر من شجاعة فكرية ومزية فنية معاً فهو بوْحه العاقل ـ أو شاعريته المُدرِكة ـ في نصه الشعري "سبع سنبلات خضر إلى بغداد"، وبغداد ـ كما هو معروف تاريخيا ـ من أهم مراكز الإسلام الحضارية، وعاصمة الخلافة والعلم، وصاحبة القوة والمنعة، بل هي بغداد الشاطئ والنخيل، يستعيدها الشاعر في رؤى ثاقبة: المآذن والقباب، والمروج والضياء، أين بغداد القديمة؟
إن حسين علي محمد يستحضرها، ويذكرها مشيراً إلى من ابتعد بها عن مجرى الحضارة:
"وأشارتْ: نأيْتَ بعيداً وكنتَ السِّراجْ
ـ …
ـ تناءيْتَ في الظلماتِ بعيداً
أعاقَكَ هذا السِّياجْ ؟" (ص63،64).
وليس من شك أن ما جعل حالها يؤول إلى تلك الحال هو:
"ذاكَ العتلُّ الزنيمُ على صدْرها جاثمٌ في اشْتهاءْ" (ص63)
والعتل الزنيم فيما صوّره الشاعر عن الجنرال المتوهّم القاعد على كرسي الطغاة، يشرب في لذة نخب الخراب والدمار، وموات الوطن في مكتسباته، ومجموع شعبه العظيم الذي أصابه اليأس والقنوط.
وفي المقطع الثاني من النص تهفو النفس ـ مع الشاعر ـ إلى تلك المواجهة:
"لأزقِّةِ الكرخِ العتيقةِ
شفَّني وجْدٌ ..
وكمْ يهْفو الفؤادْ
لصبيَّةٍ خضراءَ
في قصْرِ الرَّشيدِ
نأتْ عن القلْبِ المُضَرَّجِ بالسَّوادْ
ولخصلةِ الشعرِ الجميلِ على جبينٍ فاتنٍ
.. لحكايةٍ فاتتْ ليالي شهرزادْ
لقصائدِ الشِّعْرِ المُضَمَّخِ بالبطولاتِ النبيلةِ والعواطفِ والودادْ !
والجُرْح يرعفُ بالسؤالِ وقدْ نبا عنَّا الرُّقادْ :
أعصابةُ الأشرارِ تُخفي رأسَها في الجُحْرِ
هانئةَ ، ويُدمينا القَتَادْ ؟" (ص64)
وفي نقلة متباعدة مع الزخم الموروث السابق واقعة وذكرى، حيث يومئ الشاعر إلى غياب عقل بغداد، و"مقياس" وجودها المعنوي .. أحلام الشعراء، وأفكار النخبة في مزج الماضي بالحاضر واستشراف المستقبل، حيث تسقط إلماعات نازك الملائكة المجددة، وثورة بدر شاكر السياب الموغلة في الآتي، وتسقط الأفكار والأحلام إلا من فكر واحد، وحلم مخرب واحد للعتل الزنيم الطاغي الذي لسان حاله يقول: أنا قائد الغر المنهزمين، لقد حاربتُ كل الجيران، وناس كثر من كل أجناس العالم راحوا جميعاً، وبقيت وحدي، ولا يفيق الطاغية إلا على كابوس مزعج: أين بغداد القديمة الجديدة، وكأنه لا يعلم ماذا جنت يداه قبل وأثناء وهم "أم المعارك"، ويقول الشاعر على لسانه:
"ـ أنا أبغي الأمامْ !
ـ هيّا إلى النَّوْمِ اللّذيذِ .. أما .. تنامْ ؟
الموْتُ مفتتَحُ الكلامِ ..
ـ أنا .. أنا ..
أبغي الأمامْ !" (ص67)
أما بغداد ـ يا حادي الطغاة ـ فتحتضر في اليوم ألف مرة، وأنت في وهم وغي بالغين. لقد كانت بغداد صنو القاهرة ودمشق والرياض والدار البيضاء، و.. ويا للأسف خاب الأمل وضاع الرجاء، ولقد أرجعت بغداد قروناً إلى غياهب الوراء، والظلام، والموت، والعجز. وما مِن نهوض لأنك جاثم فوق الصدور المتعبّة! وياللخزي إذ تغني للنصر الكاذب والفتح الكذوب، وأنت تعرف ـ وكل أفراد شعبك يعرفون ـ أنك مهزوم مهزوم!
لا يفقد الشاعر سراجه، أو صوته الحر المأمول دائماً بين الكاف والنون، الله أكبر على كل طاغية وباغ. ويفطن الشاعر حسين علي محمد إلى اللمسة الإيمانية الصافية في نصرة الشعب، ونهضة بغداد، بالرغم من مصيدة أعداء الأمس، وأعداء اليوم، فلا بد من كبوة لهم، ولا بد للطاغية من ميتة، فتحيا بغداد، وتحيا الحياة .. يقول الشاعر حسين علي محمد تحت مقطع غنائي آمل يحمل عنوان "الله أكبر":
"…
وبعدَ قليلٍ ،
أمُرُّ على بيْتِكِ الحلْوِ
أتْرُكُ أحزانَ قلبي ورائي
ورتْلُ الجرادِ إزائي
سيسْقُطُ دونَ كرومِكِ
أهتفُ :
يا أيُّها العابرونَ
مضيْتُمْ .. كليْلةِ حزنٍ طويلٍْ
ويا أيها الصُّبْحُ أشرقْ عليْنا
تَرَ اللهَ أكبرَ فوقَ المآذنِ ..
تسمعُ رجْعَ الصَّهيلْ
.. وهذي مروجُ الضِّياءِ
وهذي قناديلُنا في الليالي البهيجةِ
تضحكُ "نازكُ" ..
يُشرقُ وجْهُكَ يا "بدْرُ"
يُشْعَلُ في الليْلِ ضوْءُ السِّراجْ
وجئتُكِ بغْدادُ ..
.. غنَّيْتُ شعبَكِ ، أرْضَكِ ..
ما عاقَني ـ في الطريقِ ـ السِّياجْ !" (ص68،69)
لقد أضاف النص قيمةً ووزناً فكريا، بل تعاطفاً إنسانيا تجاه بغداد الإنسان والزمان والمكان، وهو شعور عربي وإسلامي جارف، عكسه الشاعر في أبعاده الإنسانية العميقة.
***
وقصيدة "هوامش المسلم الحزين" تعد من الأصداء المباشرة لأفعال الجنرالات في أية بقعة من العالم، ولقد نَهَجَ الشاعر في كتابة نصه نهجاً فنيا رائعاً، وهو استخدامه أسلوب القص الشعري الجزئي عن طريق تحويل النص إلى مقاطع، وجعله كل مقطع يتصل بالآخر زمناً وفنا، وهو أشبه بمذكّرات الوقائع.
والطريف أن المقاطع في القصيدة (9 مقاطع)، استغرقت مذكرات مقتضبة لمسلم من البوسنة، أُخرج من بلده "موستار"؛ ويصف الشاعر الذئاب البشرية من الصرب والكروات في مقطع دال، يقول:
الطفلُ ماتَ في الصَّباحْ
وأمُّه قضَتْ
وجفَّ في عروقها الرحيقْ والوجيبْ
فقد عدا على الدِّيارِ ذيبْ ! (ص46)
وذئاب العسكر هنا يُنفذون سياسة الجنرالات في التصفية العرقية، وما يُصاحبها من جرائم متوحشة، ويستنفر الشاعر حسين علي محمد أمة الإسلام قائلاً في آخر المقطع الرابع من قصيدته:
يا مسلمونْ !
متى ستنهضونْ ؟
وبالعدوَّ تفتكونْ ؟ (ص47)
وقوله أيضاً على لسان بوسنوي مسلم:
هذا هو القرآنُ في العيونْ
رفيقي الحنونْ
يضيءُ دربيَ المسكونْ
بالرُّعبِ والجنونْ !
متى سنتلو "سورة القتال"
نكونُ خيرَ أمةٍ قدْ أُخرجتْ للناسْ (ص47)
والأجمل في نص "هوامش المسلم الحزين" هو التحول من رصْد الجرائم البشعة لطغاة الصرب والكروات وتجاوز تفصيلات المآسي التي حدثت إلى الحديث المتفائل عما يجب أن يقترن بوعي قادة الأمة ورجالها لمجابهة سديدة تحول دون تكرار ذلك، ومنه قول الشاعر الآمل في الله، وفي غد أفضل:
حبيبتي ( )
بينَ الرحيلِ والرحيلِ
والفرارِ والفرارِ
كانتْ هذه الرؤى،
وكانت هذهِ الأشعارْ
فكيف أُخبرُكْ
بأنني أُحبُّ بيتيَ الصَّغيرْ ؟
وأنني أُحبُّ ذاك الحيَّ، والجيرانَ، والدروبْ
والمسجدَ العتيقْ
وكلَّ نبتةٍ على الطريقْ !
فهل تُرى أعودُ للدِّيارْ
إليْكِ يا مُستارْ ؟!

متى نُضمِّدُ الجراحْ ؟
ونملؤ الآفاقَ بالغناءِ للصباحْ ؟! (ص48)
إلى قوله:
حبيبتي ..
سأذكرُكْ
سأذكرُ النسيمَ حانياً يُداعبُ الجفونْ
سأذكرُ النجومَ حينما تُوشوشُ العيونْ
سأخبرُكْ
بدفقةِ المطرْ
بكلِّ جملةٍ كتبتها ..
عن الغيابِ، والرحيلِ، والسَّفرْ ! (ص49،50)
ولعل الشاعر حسين علي محمد قد نجح في المراوحة بين وصف الواقع الآسن في البوسنة من جراء جرائم الصرب والكروات، وبين الأمل في نهضة أو استنفار، يبني ما تهدّم في جزء مسلم من قطعة حيوية من العالم. ومما لاشك فيه أن رؤية الشاعر هنا رؤية إنسانية، وتجربة فنية مهمة تتجاوز الخطاب الأدبي السطحي إلى نص عميق يُقدِّر أبعاد التجربة الإنسانية، ورؤيتها الصافية
***
* وفي قصائد الديوان الباقية يجسد الشاعر في غنائية حزينة، وفي أغلب الأحوال طبيعة العلاقات الاجتماعية مع الناس، وعلى وجه الخصوص دائرة المحيطين به من الأسرة والأصدقاء في دائرة الأدب والصحاقة والعلم، أو البيئة التي شهدت مولده، كما سنرى:
غنائية راضية في النص الاستهلالي:
يناجي الشاعر حسين علي محمد حلمه وواقعه السرمدي: زوجته المحلقة في حدائق عمره، وحولها الفراشات تطير وتحط في فرح بهيج وعقول متوازنة، وهي أفرخ الشاعر الصغيرة واليافعة، التي يطل عليها كل حين، أو يُغادرها للغربة والليل الطويل، والفراق القاسي. والألم / الحلم، والزوجة / الفراشة كم تتعب في الحديقة، وكلها أمل أن يعمرها الله بالخضرة والنماء والصلاح والاستواء. يقول المطلع مشيراً إلى تضاعيف الجهد في نوفمبر مع شواغل بدء الدراسة لدى الفراشات / الأبناء:
"هذا في الليلِ مدارُكِ
يا أيتها المُتْعبةُ
تعاليْ في آخرِ نوفمْبرْ
تطلُعُ منْ خَصرِكِ ـ في ظلِّ الضَّوْءِ ـ
فراشاتٌ زرْقاءْ !" (ص5)
والمرأة / النجمة، المرأة / الوعد المشتهاة (ولو بحروف الشعر)، ظاهرها عند الشاعر إطفاء رغبة المغترب، حين يُغادرها، لكن مكنونها في إجابة حلم الشاعر ورغبته تكون دائماً:
"وبراريكِ الأولى تخْضَرُّ
بِعُشْبِ الدَّهْشَةِ" (ص5)
أو قوله عن الجبين:
"كاللؤلؤةِ يُضِيءُ
فتكْشِفُ عنْ ليلِ غوايَتِها الصَّبْوَةُ
وتُفَكِّكُ في الفجْرِ عناصِرَها
تتحرَّرُ في الصُّبحِ إشاراتُكِ
والأصْداءْ !!"(ص8)
الحلم إذن يتحوّل إلى فعل معيش، والصّدى مردود لأدوار المحبوبة المؤثرة، وأدواتها الضوء والخضرة والعشب والصباح الذي يعقب فجر الأم المتعبة في سبيل أداء رسالتها، ولن تكون هناك محبوبة أخرى يقصدها الشاعر بمثل هذه الحميمية الشعرية والواقعية في آن.
والنص في النهاية غناء آمل مفعم بالرضا والسكينة والأشواق.
أغان صغيرة إلى فاطمة:
فاطمة في العنوان وفي المقاطع الغنائية للنص هي ابنة صديق الشاعر، وكان والدها الناقد حلمي القاعود قد رُزق بها مؤخراً ـ لتكتمل في أسرته نعمة الخالق في البنين والبنات.
والتهنئة بالمولود أحد أغراض الشعر العربي، تناوله الشعراء بمختلف طبقاتهم، ومثّل ذلك اللون ظاهرة فنية عند روّاد الشعر العربي الحديث في القرنين الأخيرين.
وقد نظم الشاعر أغنياته إلى فاطمة (ابنة الصديق)، وفاطمة (الأنموذج والمثل المرتجى)، فهي العصفورة، والحلم الذي يتغنّى له الشاعر بالأمهودة تلو الأخرى، وهي حين تشب وتكبر تتحوّل إلى فاطمة الأخرى، تقتدي ببيت النبوة وطريق محمد  ، وقد ألمح الشاعر ببراعة إلى ذلك في المقطع الثالث الذي جعل عنوانه "الجرح الرّاعف" حيث يقول:
"أطِلِّي على ضِفَّةِ الغَيْمِ
هاتي ظلالَ النَّخيلِ..
عطاءَ السَّعَفْ
وقولي لعمِّكِ:
ياكمْ تعِبْتَ منَ السُّهْدِ
والمَشْيِ في المُنتصَفْ
تعالَ لِبرْدِ اليقينْ" (ص10)
وفي الواقع: إن تهنئة الشاعر بالمولودة ـ هنا ـ قد أدّت مهمتها منذ المقطع الأول، وبقيت الرؤى العميقة المنشودة فيها والمأمولة في أجيال الأمة، وبخاصة إن لغة الشاعر تحولت من البساطة إلى العمق. يقول لفاطمة:
"وَرَوِّ الفؤادَ طيوبَ الحقيقهْ
وهذا هُوَ الجُرحُ يرعُفُ
هلاّ عرفتَ طريقَهْ ؟
وهلاّ شممْتَ رحيقَهْ ؟" (ص10،11)
إن الشاعر يتحول إلى مرب، وإلى هادٍ إلى طريق الإسلام الفاعل، الذي يُضمِّد جراح المسلمين، ويجعل لهم شأواً بين العالمين، تلك هي الأغنية في باطنها الذي لا يقل أهمية عن الفرحة بمولد فاطمة ابنة صديقه الدكتور حلمي محمد القاعود، وفاطمة / الرمز سيدة نساء بيت النبوة، المغزى والقدوة، وبيت القصيد.
***
ونستقرئ مع الشاعر حسين علي محمد أحب قصائد الديوان إليه فيما أعتقد وهي قصيدة "عرس أمينة"، فما أجمل القطاف، وما أطيب الحصاد الحلال، وفي الحديث الشريف "إنما لأعمال بخواتيمها"( ). وفي قصيدة "عرس أمينة" ينسج الشاعر خيوط فرح عائلي يتمنّاه، ولعله أقرب إليه من حبل الوريد. والعرس هنا تتمة أو تتويج لدور اجتماعي فيه السعي والمكابدة، والرضا والشكر، وهاهم أولاد الشاعر وبناته من الراشدين والراشدات، حصاد عقود ثلاثة من السهر والمكابدة، والثناء والحمد، عقود ولّت بعذاباتها وخيرها، لذا فرسالة الوالديْن (الشاعر وصاحبته) بحاجة إلى توقيع بالزغاريد، وليس هناك أحسن من اجترار الذكريات مع أم الشاعر أمينة (اسماً وصفة) لتكون أمينةً على الفرح الذي لا بد وأن يغسل مكابدات الماضي البعيد. فرح ينتظره الجميع في الأسرة الصغيرة، ويومئ الشاعر إلى فرحة الأسرة بنجاح الابن في بدايات التكوين:
"فكُلُّنا للفرْحِ في اشتياقْ
وناظِرونَ للغدِ السَّنِيّْ"
وفي موضع آخر:
"العُرسُ حان وقتُهُ
فأيْنَ ياصِغارْ ..
الدّفُّ والمزمارْ ؟" (ص)
وقد أعجبني هذا السطر الشعري العفوي القائل:
"فالدَّارُ عندنا فسيحَهْ" (ص12).
وسطر شعري مثل هذا قد يمر على البعض دون تأمل، لكنه يحمل أمل العودة إلى الأم في رحابة صدرها والدار في اتساع قلوب أهلها بالفرحة والاجتماع النادرين، بدلاً عن الأندية والفنادق المعلبة!
ويخرج الشاعر عن سمته في الصمت المدرك، الموصوف به، إلى صياح طفولي لا بد وأنه من مكنون وعيه الباطن في مقطع من النص يقول:
"زَغْرِدْنَ يابناتُ لِلْفَرَحْ
حسيْنُ قدْ نَجَحْ
كأنَّما النَّخيلُ قدْ طَرَحْ
والموْجُ للسَّلامِ قدْ جَنَحْ !" (ص12)
أي عفوية وأية بساطة في قدرة فنية أروع من المقطع السابق، حسين الأب وحسين الابن الشاعر يمتزجان .. فالفرح قد جمع الأهل والأصحاب، وفيه تتويج يُذيع على الناس نجاحه في أداء مهمته في الحياة، وقد وُفِّق الشاعر في استعمال شجرة النخيل دون سواها، لأنها شجرة مباركة (لا يسقط ورقها) دون كل الشجر، والورق هنا (أوراق الماضي) أو ثمار نجاح الأبناء مع الآباء، ولتتم الفرحة في حضور الأمينة على الجميع، فرحة وسلام، لا مكان اليوم لأي متحاسد أو متباغض، وأعتقد أن العلاقة بين الشاعر والأم في حياتها ومماتها أشبه بالأنموذج في البر وصلة الأرحام، فالشاعر مع زوجه وأولاده يهدي ثمار الفرح إلى أمينة، يوم أن أحس أنه نجح:
"وأنتِ في السَّماءِ تبسمينَ في براءهْ
وتُشرقينَ في وضاءهْ
: العُرْسُ حانَ وقْتُهُ
للدُّرَّةِ المكْنونهْ" (ص14)
***
غنائيات الموت الحزينة:
أودع الشاعر حسين علي محمد ديوانه بضعة قصائد من شعر المراثي، ونصوصه بكائيات غنائية ملتاعة، يسكب فيها الدمع على ثلة افتقدهم من أقرب المحيطين به من زملائه وأصدقائه. لقد فوجئ الشاعر بالموت يخترمهم الواحد تلو الآخر، فكتب ـ عنهم ولهم ـ غنائياته الحزينة، فكانت قصائده:
ـ صبيحة الغياب.
ـ رحيل آخر العام 1996.
ـ الصارخ في البرية.
ـ ونام في سلام.
ـ الغائب.
والنص الأول مُهدى إلى روح الشاعر عبد الله السيد شرف، وهو من أصدقاء الشاعر، والنص الثاني مرثية حارة تمثل جزع الشاعر لرحيل عزيز عليه، لم يكشف عن اسمه، لكنه من المحيطين به، أما "الصارخ في البرية" فعنوان لا يدل على بكائية حزينة، ذلك لأن الميت هنا صديق للأدب والأدباء، والفكر والمفكرين، وهو الأستاذ الشاعر كمال النجمي، وقد عبّرت قصيدة "الغائب" اسماً وصفةً ودلالة عن رثاء ذي مغزى إنساني صافٍ، حيث يقول فيها الشاعر:
.. وفي الليلِ كانَ يُهدْهِدُ حُزْنَ القمرْ
ويسمعُ شدْوَ السواقي
إلى إلفِها المُنتظرْ
هو الوعْدُ والسُّنبلاتُ / المطَرْ
هو الماءُ أيتها الأرضُ
كيفَ إذنْ ..
يقطِفُ الموتُ وردتهُ في السَّحَرْ
ويسبِقُ وقْتَ التلاقي بليلٍ ،
وينْوي السَّفَرْ ؟ (ص58)
ومن شعر المراثي أيضا قصيدة ".. ونام في سلام" التي يُهديها للمرحوم الدكتور محمد علي داود، ويكشف النص عن زمالة لا تُنسى، وصداقة لا تبلى، والقصيدة زفرة وجد والتياع صادقين، وكيف لا؟ وشاعرنا يودِّع فيها أحد أهم أصدقائه، وقد وُفِّق في اختيار المفردات الهادئة كهدوء شخصية الفقيد، كما وُفق في استعماله الدقيق لكلمة "ونام" بديلاً عن الموت / الفقد / الوفاة، ونظائرها. أما "في سلام" فكأنما وداعة الشخصية التي اخترمها الموت قد نامت في هدوء، وكأن الفقيد كان على موعد مع النوم الهادئ الأبدي عند البارئ الحي الذي لا يموت، يقول الشاعر:
تعودُ للترابْ
يا أيُّها المسافرُ الحبيبْ
تعودُ .. في العينيْنِ أُغنيهْ
وفي الدروبْ:
مقاطعُ الغيابْ /
مدى كيانِكَ الرَّحيبْ /
ونبْضُ أُمسيَهْ
.. ملأتَها بالشعرِ والسَّمَرْ
يا أيُّها الغريبْ ! (ص59)
ويتوهَم قارئ الديوان أن حسين علي محمد يكرر تجربة المراثي لشخص واحد في نصين (هو صديقه الراحل الدكتور محمد علي داود)، والواقع أن قصيدة "مكان بالقلب" آهة ودمعة، وفاء لذكريات وأماسٍ، وتذكرة لمكان واحد جمع الصداقة بيد اليقين، ولا يعيبنّ كائد أو حاسد نعمة الوفاء النّادر والصداقة المشتركة، والمعيشة المشتركة الجميلة، ذلك أن الشاعر حسين علي محمد كان من أقرب المحيطين بصديقه الراحل الدكتور محمد علي داود في غربة العمل بالمملكة العربية السعودية، وقد بلغ الحزن المفعم بالتوتر مداه عند شاعرنا حينما مرض صديقه، ثم غادر المملكة عائداً إلى مصر؛ فلقد كانت النتائج الطبية المعملية تشير إلى قرب رحيل الصديق الراحل ـ الذي عاد إلى أسرته في مصر ـ إلى الدار الآخرة. وما أقسى أن تتحوّل الحياة إلى موات، في لعبة أرقام تشكِّلها أمراض العصر!
لقد جمع الإيمانُ والرضا شاعرنا بصديقه، وليس من طريق إلا الرحيل والسفر، والموت المنتظر، وكأنما كانت تصدق على الصديق في حالته تلك "الموت ملاقيكم بعد قليل"!
اهتزّت المشاعر، وأفاض حسين علي محمد في سكب الدمعة تلو الدمعة، لا تُفارقه اللوعة لفراق اللؤلؤة المملوءة بكنوز الذكريات، لؤلؤة القلب وحبته في الموضع اللائق به، يحتل مكاناً تحت الثرى وفي مستقر فؤاد الشاعر، يقول الشاعر في تجربة عروضية خليلية موقّعة ذات تأثير نفسي فعّال:
أتهْوي مَعَ الفجْرِ هـذي اللآلْ .:. بشُبَّاكِ صمْتِ الهوى .. في ارتحالْ؟

و"أنـوارُ" مكـةَ كمْ أيْقظتْ .:. بعُشْبِكَ عهدَ الصبـا والجمـالْ
وتحضنُهــا في وَدَاعٍ صموتٍ.:. وتهتفُ في الفجْرِ: نحنُ الرِّجالْ (ص70)
ويسترفد الشاعر من أسرار صديقه عشقه لمكة: الرمز، والوطن، والسكن، ولزوجه: سنوات الصبا والجمال، ها قد غادرنا الصديق ومضى في صمت، بل في خشوع الرجال ورضاهم. إن الشاعر يسترجع أدق التفاصيل قبل رحيل الصديق، فيذكر:
وتطلبُـهـا في ابتهـاجٍ رؤومٍ .:. وأنتَ تُراقِــبُ مالا يخـالْ ! (ص70)
والطلب هنا إيماءة للمهاتفة التي كان يحتشد لها الراحل احتشاداً، أي لزوجته وأولاده، ومع ذلك لم ينس الشاعر حسين علي محمد مسامراته مع صديقه محمد علي داود، وتعدد سفرهما إلى مكة معاً لأداء العمرة، والصلاة في بيت الله الحرام. إنها ذكريات لا يُمكن نسيانها فهي محفورة بالقلب، ومكانها دفقات الفؤاد ونبضه، وعن ذلك يقول الشاعر في صدق فني:
وفي مكــةَ الحـلمُ كمْ ضمّنا .:. خيــالٌ لـهُ في الفيافي جلالْ
وقُلتَ: أنـا في القـصائدِ نبْضٌ .:. وفي الشعرِ عاطفةٌ لا تُنـــالْ
كذلكَ أنـتَ صديقي هنــا .:. مكانُكَ بالقلبِ .. أغلى اللآلْ! (ص71)
لم تكن الرياض (مكان غربتهما) أو دمنهور أو ديرب نجم (مستقر أسرتيهما) هي المكان الذي ذُكِر في النص، ولكنها مكة المكرمة، الرمز الروحي الذي لا يتقدّمه أي رمز، وهنا ـ عند بيت الله الحرام، وفي الله ولله ـ عاشت صداقتهما، مرجعها القلب "أغلى اللآلْ ".
والنص في ضوء ذلك يُعمِّق البعد الإنساني من خلال الإشارة إلى أواصر العلاقات الاجتماعية بين الفرد والآخر، وقد وفق الشاعر في تصوير خلجات النفس الإنسانية، حيث أعاد في فنية استرجاع مشاهد الرحيل / الأفول، عن طريق اجترار ذكريات لا تبلى ولا تنقضي.
أما عن الصورة المتخيَّلة في رثاء صديق آخر، اخترمه الموت عام 1996 فيقول فيها الشاعر:
أيا نخلةَ البرْقِ
كيف رياضُ المحبينَ
في الهجرِ ؟
يا موجةَ البحرِ!
كيفَ غيابُ السَّفينْ .. ؟
.. متى عودةُ الرَّاحلينْ ؟ (ص36)
وقد رسم الشاعر حسين علي محمد صورة نفسية دقيقة للفقد والغياب، ودونما غياب، وقد كثَّف الشاعر ذلك في قصيدته "صبيحة الغياب"، حيث يقول:
وقُرْصُ شمسِهِ البعيدْ
يغرُبُ في السَّماءْ
ماعادَ يسْألُ السؤالَ ، أوْ يُعِيدْ
قدْ سافرَ الأحبابْ
فمنْ تراهُ باكِياً صبيحةَ الغِيابْ ؟!
لكن الشاعر في نصه الذي يحمل عنوان "فخاخ الصحراء" ألقى على بصائرنا مرثية مطوّلة حول صديق لم يُفصح عنه بصورة تامة إلا بالاسم الأول "أحمد"، والذي لقي حتفه في رحلة عمل مغترباً بالباحة، في جنوبي المملكة العربية السعودية، والبكائية في النص تميل إلى الإطالة التي لا ضرورة لها.
يقول الشاعر في رثاء صديقه أحمد:
"الباحةُ" خاتِمةُ الأسفارْ
وأنت قديماً كنتَ تُشاكِسُ باللفظِ
وترجِعُ بالغارِ
فكيفَ خرجْتَ من الدَّارِ
صباحاً
ومهما يكن من أمر، فإن الرثاء لا يتحمّل ـ باعتباره فنا شعريا ـ الحوار المطوّل، أو المناجاة المطوّلة، فهو دمعة وفكرة، ومدح لصفات الميت الراحل، وإن هلك.
والفجيعة بالموت ورثاء من ماتوا عادة مألوفة عند الشعراء، حيث نجدهم في قصائد الرثاء يتتبعون من يرثونهم، فيذكرون ذكرياتهم معا،كما يذكرون مآثرهم، وسجاياهم، ويمدحون صفاتهم وسلوكهم في الحياة الدنيا قبل الرحيل الأبدي للدّار الآخرة.
وبالإضافة إلى قصائد الرثاء، فقد كتب حسين علي محمد في ديوانه هذا آهاته المحزونة حول فراق الأحبة، وله في فراق صديقه الشاعر أحمد فضل شبلول حينما ترك الرياض وعاد إلى الإسكندرية ـ بعد صداقة امتدت سبعة أعوام ـ قصيدة بعنوان "دموع الحاسوب"، يقول فيها وهو يناجي الحاسوب ـ ومن المؤكد أنه يتذكّر صديقه الذي غادر الرياض، ويتذكّر جولاتهما وسهراتهما الأدبية معاً:
ياحاسوبي الساهرَ في أحنائي
والحالِمَ بالضَّوْءِ وبالسَّعْدْ
سافرَ أحبابي ..
تركوني في دائرةِ الوجْدْ
وانفضُّوا منْ حوْلي ..
تركوني في سِردابَ الفقْدْ
انفضُّوا .. فرداً .. فرداَ
وبقِيتُ أُعاني ..
من وطْأةِ أحزاني
في مَجْمَرةِ البُعْدْ ! (ص38-39)
وكأنما الشاعر ينتقل من لوعة الفراق وألم الابتعاد عن الصديق، فينتقل من التجريد إلى المحسوس في قوله:
لِمَ لَمْ تبصرْ طابعتي ..
وهْيَ تُنادِمُ نافذتي ..
بحروفِ الهمسْ ؟
لِمَ لَمْ تأكلْ طبقَكَ ،
لمْ تشربْ قهوتَكَ
ونايكَ مُرْتَهَنٌ للحزنِ
وفُقْدانِ الأُنسْ .. ؟ (ص38)
والحاسوب أحد الرموز المادية في النص عنواناً وتشكيلاً ورؤيةً، بينما الألفة والوفاء يعذبان الشاعر، الذي غادره الصديق في سفرة أخيرة لمحل إقامته، وموطنه، وداره، وأهله.
ولن نغادر هذه النصوص في هذا الموضع، دون أن نتذكّر العنوان الدال "النائي ينفجر بوحاً إلى فاطمة"، وهو العنوان الأساس للمجموعة جميعاً، ففيه الفراق المكرور، وتداعيّات الشوق والبوح حول من غادرهم إلى موطن عمله وغربته.
أما المحاورة الشعرية الوحيدة في قصائد الديوان، فقد جعلها حسين علي محمد تمتلئ بالتهكم والسخرية ممّن بلغا النضج وحكمة السنين، بينما يطفح من سلوكهما الحمق والادّعاء، والنص مع جودته قطعة فنية محكمة، لا يُمكن أخذ الشاهد منها إلا بنصها كاملاً، يقول الشاعر:
ـ إني حاربْتُ كثيراً في صفِّكِ
ـ لكنِّي لمْ أُبصِرْكَ بليغاً ،
تتحدَّثُ في جمْعِ السُّفهاءْ
ـ إني مشغولٌ بهمومِ العامَّةِ ، وحقوقِ الضُّعفاءْ !
ـ هذا ما نرجوهُ على يدكَ البيضاءْ !!
لكني أسألُ نفسي :
لِمَ لمْ أسمعْ منك قديماً
ـ من فيكَ المثقلِ ببلاغتِهِ الشوهاءْ ـ
شيئاً عنْ فقرِ الفقراءْ
ـ إنك تُغمطُني حقي يا شيخْ
فلماذا هذا الظلمْ ؟
ـ إنكَ وقِحٌ
ـ بل أنتَ الأبلهُ ، والشعرورُ ، وبيْتُ الدَّاءْ



نصَّان من قصائد النثر:
ضمّن الشاعر حسين علي محمد ديوانه قصيدة نثرية مطوّلة سمّاها "أحزان صباحية"، سوّدت الصفحات (72-75) من هذا الديوان، والطريف أنها كرصيفتها الأخرى بالديوان ـ والمعنونة "القاهرة 1968" تتخذان من "قصيدة النثر" أداة تعبيرية. والصياغة الفنية في قصيدة النثر لشاعر يكتب القصيدة الخليلية والحرة باقتدار لا تروق لي، لكني أقدّر حرية التعبير لدى المبدع، ولا أُصادر حقا يراه!
والواقع أن الاستقراء المبدئي للنصّ الأول يجد مفارقة غريبة ـ وإن لم تكن مقصودة ـ وهي أنها إعادة صوغ لتجربة كتبها الشاعر قصّة قصيرة، ومرّ عليها زهاء عقدين من الزمن!
ولن أتحدّث عن نجاح التجربة في الشكلين فيما يرى البعض. غير أني زعيم هنا بأن قصيدة "أحزان صباحية" كانت الأضعف من توأمتها "مهاتفة صباحية" المنشورة في مجموعة قصصية للشاعر تحمل عنوان "الطريق الطويل أو أحلام البنت الحلوة" .
إن تضمين الشعر فقرات النثر المتساوقة أو الجمل ذات البنى الإيقاعية لا يعني أنّ هناك قصيدة، بل حصادنا ـ وقتئذ ـ هو النثر في لغة شاعرة!
فالسرد القصصي راق في سائر معاييره عند شاعرنا على نحو ما ظهر في "القاهرة 1968" و"مهاتفة صباحية"، والسرد في البناء القصصي كان واضحاً متماسكاً في القصة، أما في قصيدة النثر المزعومة فالشاعر مجرّب، ويخرج نصه في تداعيّات أرى عدم مشروعيتها في الشعر ، باعتباره فنا، عماده وحدة الفكر (الموضوع)، ووحدة الإيقاع النغمي العروضي، ووحدة الائتلاف في اللغة وسيلةً ودلالةً.
إن "قصيدة النثر" المزعومة تخرج من دائرة ضروب الأجناس الأدبية، والأوْلى أن يُجوِّد المبدع في النوع الأدبي الذي يبرز فيه؛ فالمبدع ـ في حقيقته ـ هو الأساس الجوهري في الإبداع الأدبي، وليس هو الوسيط أو الناقل، أو الدراماتولوجي، أو السينماتولوجي كي يُلفِّق بين الأنواع الأدبية فوق مائدة الفنون المجمّعة، والفنون المجمّعة قد تقبل مثل ذلك التجريب بالتحوير والمعالجة والاقتباس والأخذ من أي نوع أدبي، بعد توطئته وترويضه للفنون المجمّعة، بينما فنون الشعور ـ ومنها الأدب، وأهم أنواعه الشعر ـ يجب أن تكون محافظة على تقاليدها الفنية، ومن ثم فإن الشعر يجب أن يظل شعراً كما هو في أدب أية لغة.
نصوص موازية في التجربتين:
يقول القاص حسين علي محمد في فصة "مهاتفة صباحية": "الظهيرة تبصقهما بجوار المستشفى الجامعي، يتحسس سحابة الجهامة .. كل المشاوير خاطئة في فم فائزة المحشو بالكراهية والنفور. فكيف تكونين يا رباب ضفة مشتهاة، وأنتِ ثمرة محرمة في يد الهارب البعيد؟!"
ويقول الشاعر حسين علي محمد في قصيدته "أحزان صباحية":
"الظهيرة تبصقنا
بجوار المستشفى الجامعي
أتحسس سحابة الجهامة
المشاوير خاطئة
فكيف تكونين ضفة مشتهاة" (ص74)
وليس من شك في أن القارئ المتذوّق سيُعجب بالفقرة القصصية في دقة تكوينها وعمق دلالتها، بينما التكرار مع التعديل في بعض المفردات في "قصيدة النثر" لا يُضيف جديداً عمّا أدّته سردية القصة.
وفي مقطع آخر يقول القاص حسين علي محمد في القصة نفسها:
"قبل أن أفكِّر في صعود الدرج للطابق الخامس ـ في نفس العمارة التي أسكن في الدور الثاني فيها ـ لمحادثة صديقي "حلمي أحمد"، كي يمنحني فسحة من الوقت ، لتأجيل خيباتي:
خيبة قديمة .. خيبة جديدة .. خيبة مقبلة. في زمن تضرّج بالسواد والحداد!" (ص88).
وفي نص مواز يقول الشاعر حسين علي محمد:
"قبل أن أفكِّر
في صعود الدرج للطابق الخامس
لمحادثة صديقنا "أحمد زلط"
كي يمنحنا فسحة من الوقت
لنؤجل خيباتنا:
خيبة جديدة
خيبة قديمة
خيبة مقبلة" (ص75)
فهل اختزال جملة واحدة من النص القصصي، وتعديل اسم الصديق من "حلمي أحمد" إلى "أحمد زلط" هو الذي سينقل النص من أدبيات القص إلى ما يُسمّى (قصيدة النثر)؟
إن مستوى شاعرية حسين علي محمد يربأ به عن ذلك التجريب الفني المراوغ، وعليه ألا يضمِّن أشعاره بعد ذلك ما يسمّى بـ"قصيدة النثر" ، ومن حسن الحظ أنه لم يكتب خلال ثلث قرن إلا ستة تجارب من هذا الأدب؛ فاللغة الشاعرة التي يمتلكها حسين علي محمد قادرة على الإبداع من خلال هيكل الشعر وميزانه وقوالبه، وهو يمتلك المضامين والرؤى التي تستحيل بين يديه شعرا.
وإن نصين مثل "القاهرة 1968" و"أحزان صباحية" منحا الشاعر الفرصة ليشير إشارة ذكية إلى التيّار الحداثي، ويكشف لهم أنه قادر على التجريب والتجويد أيضا.
ونحن نقول: فليجرّب الشعراء والكتاب في الأنواع الأدبية ما يشاؤون شريطة الوقوف فوق قاعدة يستندون عليها، وبعبارة أخرى: عليهم المحافظة على منطلقات كل نوع أدبي وخصائصه، وبالتحديد: من جذوره وأصول نشأته.
***
ظواهر فنية في الديوان:
أولا: في المحتوى والمضمون:
تنوّعت مضامين قصائد الديوان إلى مقاصد أو موضوعات متفرقة، مما يدل على قدرة الشاعر على التنقل من تجربة إلى أخرى، وأهم موضوعاته وفقاً لذيوعها في القصائد:
ـ رثاء الميت صديقا أو زميلا، أو من المحيطين به.
ـ الحزن لمن فارقهم الشاعر أو فارقوه.
ـ تشريح طبيعة العلاقة بين المثقف والسلطة.
ـ الإحساس بمآسي المسلمين في العالم (مسلمي البوسنة نموذجاً).
ـ الشعور الأسري والاجتماعي (واقعاً، وفنا، وتخيلا).
ـ في أدب الحكمة، والسخرية من الحمقى والأدعياء.
ثانيا: في المستوى اللغوي:
من مكرور القول التأكيد على امتلاك حسين علي محمد للغة الشاعرة، وعدم وجود مستويات متفاوتة في لغة الديوان، حقا إن لكل تجربة لغتها الخاصة إلا أنها تظل على مستوى معجم الشاعر وثقافته وقاموسه الأدائي التعبيري، ولغة شاعرنا لغة فنية ذات مستوى ثابت: فيها تجويد للفصيح المستعمل، وتنأى عن الغريب المتقعِّر، ونلاحظ أن الديوان يكاد يخلو خلوا تاما من المفردات الأسطورية، أو الإشارية المُلغزة لدرجة التعقيد.
وقد تنوّع الأداء التعبيري عند الشاعر من قصيدة إلى أخرى، فمرة نرى صوت الشاعر، ومرة ثانية يُقابلنا الحوار الداخلي، ومرة ثالثة يختفي صوت الشاعر ليترك الحوار للآخر (انظر قصيدة حوار سيدين في مطلع الرحيل، ص62).
ومن الملاحظ على الشاعر أنه لم يقف في سائر قصائد الديوان موقف المختزل للغة، أو يضعها في مخيلته ضمنا، مما يجهد القارئ أو المتلقي إلا في مقطع شعري وحيد في الديوان، حيث يقول في "منولوج" استفهامي:
أُبْصِرُني كهْفاً مهْجورا
ما هيْكلهُ الأوَّلُ ؟
هلْ كانَ الجامِعُ ..
فِيهِ الصَّلواتُ وفيهِ الذِّكْرْ ؟
...
هلْ كانَ الشِّعْرْ ؟ (ص29)
ربما كان وعي الشاعر بالتنقلات الاستفهامية في هذا المقطع تُفصح عن شيء لم أستطع استكناه مقصوده، أو تأويله إلى إدراك قريب، مع مقطعه السابق أو اللاحق، ذلك أن مسافة لغوية مكتنزة ومختزلة بدرجة كبيرة، كنا نودّ التقريب لها من لدن شاعرنا المجوِّد.
في التشكيل الموسيقي والعروضي:
تفعيلات البحور القصيرة والخفيفة هي الوحيدة دون سواها معزوفة البنى الإيقاعية في الديوان: الرجز، المتدارك، الخبب، وهي بحور ـ سواء أكانت صافية التفعيلة أم مبتورة ـ فهي تميل إلى نسق التكرار، لتنسجم وحدات التفعيلات، في إيقاعها الداخلي المصاحب ـ وبالثبات دوماً ـ في كل قصيدة.
ولم يلجأ الشاعر إلى التنويع العروضي دالخل النص الواحد ـ في القصائد القصار والطوال ـ وإنما أسعفته مجزوءات البحور الخليلية القصيرة والخفيفة، حتى في أطول قصائد الديوان "فخـاخ الصحراء" وجدناه يُحافظ على النسق الموسيقي الأخّاذ، وهو يسترجع الذكرى مع صديقه الذي قضى نحبه:
تعالَ إلى حِضْنِ "عصايِدِكَ" الملهوفةِ
بالشوقِ
أعدْني طِفلاً ، لأهازيجِ الحقلِ
ولغوِ السُّمَّارِ
وقُلْ لي :
كيفَ تُضِيءُ حقولَ الصمتِ / الثرْثارِ
وتُسْرِجُ في قفْرِ هزائمِنا
خيْلَ النار ؟ (57)
أو قوله في ثبات موسيقي مستجاد:
أحببْتُكِ .. لكنْ لمْ أتكلَّمْ !
عانيْتـُكِ .. لكنْ لمْ أتألَّمْ ! (ص30)
ومنه قول الشاعر:
لاتسْتاْذِنُ أُفْقي / أفْقَكْ
كيْ تعْبَثَ فيهْ
شهقةُ صمتي / صمْتِكَ
تُنْبِئُ عن موتي / موتِكَ
ورحيلِ العُمرِ غُباراً في هذا التِّيهْ .. ! (ص23)
واللافت للنظر ونحن نحتفي بتلك المجموعة الشعرية الجديدة صغيرة الحجم، كبيرة المغزى، أنه كلما لجأ الشاعر ـ في غير تعمد ـ إلى تكثيف التجربة في شكلها المعماري، كلما تحولت إلى آية فنية نغبط الشاعر عليها.
أما الطول المفرط في بعض القصائد، وإن خدعنا الشعر بحكم خبراته ووعيه بتجديد دماء اللغة، كي يُفوِّت علينا الإطالة، لكنها بالرغم من كل احتراز فقد دوّنت الإطالة في بعض مقاطع القصائد، وأزعم أن لكل تجربة مدداً أو بوحاً قد لا ينتهي بمثل ما نلحظه في تجارب القصائد القصار؛ إلا أنني أميل إلى التكثيف دونما تعتيم، فالضباب يحجب الرؤية واقعاً وفنا. ونحمد الله تعالى أن نسبة القصائد الطويلة في الديوان لا تمثل سوى خمس عشرة بالمائة من مجموع قصائده.
تحياتي للشاعر في غنائياته ومراثيه، وفي أبعاده الإنسانية التي أومأ إليها، وفي مواقفه من الحياة والأحياء، وفي تهكمه الساخر مما يراه خطأً. وعلى الله قصد السبيل.



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:05 pm

شاعرية القصة في «مجنون أحلام»
للدكتور حسين علي محمد
بقلم : جمال سعد محمد
يعتمد النصُّ الأدبي ـ في وجوده كنص أدبي ـ على شاعريته ، على الرغم من أن النص يتضمّن عناصر أخرى، لكن الشاعرية هي أهم سماته وأخطرها. وقد توجد الشاعرية في نصوص غير أدبية (أو نصوص لم يقصد منشؤها أن تكون أدباً)، فهي ليست حكراً على النص الأدبي، لكنها تستأثر به ويستأثر بها، لأنها سبب تلقيه كنص أدبي، وبدونها لا يحظى النص بسمته الأدبية. والنص يأخذ بتوظيف الشاعرية في داخله ليفجر طاقات الإشارات اللغوية فيه، فتتعمق ثنائيات الإشارات وتتحرّك من داخله لتُقيم لنفسها مجالاً تفرز فيه مخزونها الذي يُمكِّنها من إحداث أثر انعكاسي يؤسس للنص بنية داخلية تملك مقومات التفاعل الدائم، من حيث إنها بنية ذات سمة شمولية قادرة على التحكم الذاتي بالنفس، ومؤهَّلة للتحول فيما بينها، لتوليد ما لا يُحصَى من الأنظمة الشاعرية فيها حسب قدرة القارئ على التلقي.
والنص الأدبي ينشأ حسياً مثل نشوء أي نص لغوي، وذلك بارتكازه على عنصري الاختيار والتأليف، ولكن حالة الأدب تختلف عن غيرها من حيث إنها تستل مبدأ التوازن من محاور الاختيار إلى محاور التأليف. وهذه أولى وظائف الشاعرية في حرف النص عن مساره العادي إلى وظيفته الجمالية، وهي عملية انتهاك متعمد لسنن اللغة العادية.
ويرى حازم القرطاجني في «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» أن اللغة هي لب التجربة الأدبية وهي حقيقتها، وأن الإبداع يكمن في توظيف اللغة توظيفاً جمالياً يقوم على مهارة الاختيار وإجادة التأليف، فيقول:
« إن القول في شيء يصير مقبولاً عند السامع من الإبداع في محاكاته وتخييله على حالة توجب ميْلاً إليه أو نُفوراً عنه، بإبداع الصنعة في اللفظ، وإجادة هيئته ومناسبته لما وُضِع بإزائه»(1).
*شعرية القص:
وفي مجموعة «مجنون أحلام» للأستاذ الدكتور حسين علي محمد، تتكوّن القصص من عالم مهول من العلاقات المُتشابكة، يلتقي فيها الزمن بكل أبعاده، حيث يتأسس من رحم الماضي وينبثق في الحاضر، ويؤهل نفسه كإمكانية مستقبلية للتداخل مع نصوص آتية.
والقصة في «مجنون أحلام» علاقة من عناصر الاتصال اللغوية يتحد فيها السياق مع الشفرة لتكوين الرسالة ويتلاقى الباعث مع المتلقي في تحريك الحياة وبعثها من جديد.
واللغة في «مجنون أحلام» ليست مجرد وسيلة للتعبير عن العواطف أو مُحاكاة الواقع، وتُعد التركيب المتميز لأجزاء الكلام والقافية والإيقاع والمفردة الخاصة وغيرها من تقنيات الشعر ووسائل تحقق اللغة من خلالها دفع نفسها إلى المقدمة، بحسبانها مركز النص الشعري وهو ما يجعل الأسلوب الأدبي المترتب على هذه النظرة ميالاً إلى التجريب اللغوي وكسر القاعدة المعيارية، بحثاً عن شرارة الشعر التي لا تنبثق إلا بحصر الاهتمام في مستوى اللغة والتعامل تجريبياً معه.
من هنا تُصبح اللغة أكثر عمقاً وقابلية للتأويل والكشف، وتضحي خصاصها أكثر طواعيةً للتساؤل إذ أنّ اندماج هذه اللغة مع العناصر الشعرية سيُفسح المجال حيال القارئ ليستبطن أكثر، ليُعيد إنتاج الخطاب السردي بشكل أكثر فاعلية.
في قصة «عكرمة يرفع السلاح» يقول:
« كانت الصافنات تُغني في المساء الأخير، أغنيتها الأثيرة، التي رددتها كثيراً في الأيام الأخيرة، مناديةً من لا أُبصره:
أيها المستجير من الرمضاءِ بالنار ..
لا تترك السيف
لا تخلع الدرع
أنت في قيامتك الكبرى
رايتك مرفوعة للريح
والغريب مدجج بالخراب
وخطواتك لن تقتلعها الريح
لك موتُ يجدرُ بشهيد»(2).
الكاتب هنا لا يكتفي بأن يُصبح السرد حاملاً لأحداث، ناقلاً لها، بل إنه يُعطيها طاقةً من المستويات، فتجمع بين الشعري والنثري الرائق، ذلك أنها تُغني النص، وتُضيف إليه تأويلات ودلالات جديدة، بالإضافة إلى كثافة الرموز وكثافة الحدث، وكثافة الرؤية.
إن القصة هنا تكشف عن نفسها من لغتها الشعرية، التي لا تكون فقط هي الأحداث المتنامية في تطور مطرد، بل تساهم في تعميق الدلالات الفكرية والنفسية، وفي تشكيل الدلالة العام، فتصبح القصة محملة بشحن فلسفية قوية ترى العالم برؤية جديدة، ويُصبح النص استنفاراً للعقل، يعمل ويفكر ويُحلل لفك الرموز وكشف المغاليق والدكتور حسين علي محمد في هذه المجموعة يُمارس شعريته هو، ويُضفيها على الخطاب، مما يمنح السرد عُمقاً آخر، ويتحوّل إلى عنصر ديناميكي يستثير التأويل ويُخاطب البنى العميقة في العقل البشري.
ومن جهة أخرى فشعرية الخطاب السردي في قصص المجموعة تتطلب من القارئ البحث عما يُميز هذا الخطاب من انفعالية اللغة وعاطفيتها.
في قصة «الباذنجانة الصغيرة» يقول:
« الباذنجانة الصغيرة البيضاء
معلقة في يد الطفل الصغيرة
ويده الثانية
متشبثة بفستان أمه.
تمشي معتدلة كمهرة برية تتخطر.
وتجري خُطاه الصغيرة، حتى يظل ممسكاً بذيلها!
تجري خطاه الصغيرة.. وتجري
لا يلتفت إلى الباذنجانة التي قضم منها قضمةً واحدةً..
.. هوتْ إلى الأرض مباغتةً
لم يُحس بها، ولم يلتفت إليها!»(3) .
لغة القاص على هذا النحو تسعى لخلق إيقاعاتها الخاصة ورؤاها الخاصة، وتظل اللغة الشعرية بحثاً مستمرا عن هذه الرؤية الشعرية للعالم والناس والأشياء .. لغة لا تستقر على حال، وإنما هي دوماً في تشكل متواصل دائم. ثمة حركة دائمة من خلال العملية الإبداعية نفسها تصنعها اللغة في تكثيفها الشعري. واللغة في هذا النص تأخذ مساحة من الانحراف الدلالي على غير عادة لغة السرد المحددة الدلالة، المحكومة بخط سير يُحافظ على تنامي الأحداث في القصة.
إن اللغة الشعرية بهذا المعنى تُصبح متعددة الدلالات مُتعددة التأويل، وهذا هو السر وراء وصف لغة ما بأنها شعرية، إذ أنها تميل إلى مُخالفة الواقع وتعدد تأويلية قراءتها الذي يسمح للمتلقي بأن يُمارس وعيه مع النص، ويجد فيها ما يُناسبه من متطلبات لغوية وتعبيرية في الأساس. هنا لا يكون الاعتماد على الحدث هو مركزية القص، وإنما تكون اللغة في حد ذاتها نمطاً من أنماط الكتابة.
أي الاحتفاء بها، حيثُ لا تُصبح مجرد أداة إخبار بقدر ما تُصبح أداةً لفكرٍ وشعورٍ.
وفي قصة «ومضة الرحيل» ثمة احتفاء باللغة على نحوٍ ما، فالجملة مبتورة دائماً ـ إن جاز التعبير بمفهومه الجمالي ـ لا تسعى للقيام بوظيفتها في الحكي عن حدثٍ مسرود، بقدر ما تستثير أحاسيس الذات الساردة، ومن ثم المتلقي. يقول:
« حينما وقفا ـ عاريين، الرجل العزب والمرأة الجميلة الممتلئة ـ وحيديْن، في حضرة الراعي، بعدما دقّت أجراس الفضيحة .. تضاحك الرجال والنساء.
الرجال الذين قالوا إنهم يمشون على الصراط المستقيم، وتشبث كل منهم بمسبحته، كأنه ستشهد على طهارته.
والنساء اللاتي لم يضحكن ضحكة بريئة أبداً»(4).
فهذا النص الذي يُمثِّل جزءاً من قصة تحققت فيه المعاني والانحراف الدلالي، والتراكب اللغوي والمجاز، والخصائص المجردة التي تصنع فرادة العمل الأدبي من وصف وحدث وسرد وتركيز على الرسالة وكسر القاعدة المعيارية للغة، وإسقاط مبدأ المُماثلة وهي جميعها سمات الشعرية واللغة الشعرية.
فالحدث المسرود ذاته اختار الكاتب أن يُقدمه من خلال لغة مشحونة متوترة قلقة، يخلط فيها بين الحكي ومُخاطبة المشاعر، بتقنية الكتابة الشعرية، وتتخذ الدلالة غياباً تاما في مرجعيتها.
وفي قصة « الحافلة التي لم أحلم بها» يتضح هذا الاحتفاء باللغة على نحو شعري في كثير من المقاطع التي تكشف عن هذا الشغف والاعتناء باللغة، يقول:
« تذكرت الفتى الواقف على الباب، الذي كان يدفع الجميع بمنكبيه وساعديْه، وزميله صاحب البنطلون الأزرق، الذي كان يدفعنا بظهره!! وكانا يتبادلان الضحكات والنكات، وثالثهم ـ الذي يتقاسم معهم الإيراد «محصِّل التذاكر!!
وكان عليَّ ـ بعد حمد الله ـ أن أفكر في العودة بعد انتهاء محاضراتي في الحادية عشرة .. بعد ساعتيْن .. في آخر أيّام الدراسة! عليَّ أن أقطع المسافة من الجامعة إلى لاظوغلي ـ وهي تقترب من الكيلو مترات الثمانية مشياً على الأقدام» (5) .
ليست القضية هنا لعباً بريئاً في ماء اللغة على الدوام، وليس الأمر مجرد الحكي عن الذات، وهي تصف مشهداً من مشاهد الحية في شوارع القاهرة، إنها تحتاج إلى أن تتجاوز ذلك كله إلى تفجير ما في الواقع أو الفكر من شحنات كامنة، وذلك لا يتم بطبيعة الحال إلا بإغرائها لتخرج من كمونها في أدغال اللغة وتنميتها، وتوسعتها، وأخيراً إلباسها شكلها المادي المحكم، وهذا ما فعله الدكتور حسين علي محمد باستخدام اللغة الحميمة بالتأمل والشعرية عبر لغة سردية تبني الواقعة النصية، وتفصح عما تُضمره من حركة ونمو.
وعملية القص على هذا النحو قد تكون أكثر عمقاً في تبليغ دلالاتها مما تسعى القصة إلى الوصول إليه، فالنص الشعري ليس دلالة لملفوظ ما، ولا يسعى لإصدار حكم ما، بل هو في الغالب ذلك الملفوظ وقد تم صهره في كيان تعبيري همه اللغة وفتنتها حيناً، أو التناميات السردية بما تشتمل عليه من توتر ومراوغةٍ حيناً آخر.
* شعرية الحوار:
وهو ملمح كان يُمكن دمجه في شعرية القص بوصفه ممارسة لغوية تتم عبر النص القصصي، إلا أنه تضمه قرينة خاصة به، فشعرية الحوار تنتج تبعاً لمشهد سردي قد يكون مُغايراُ للرؤية الشعرية، وتتجلّى تكويناته في حوار الشخصيات فيما بينها والحوار الداخلي في نفس السارد أو المسرود عنه، والحوار الهامشي الذي يُمكن أن ينتج عن تعدد التأويل أي الشعرية الحوارية التي تعمل في نفس المتلقي آن قراءته للنص.
وتتخذ هذه الحوارية أنماطاً لغوية تتنوّع بين المُجادلة والمُساءلة والسخرية والتهكم والتحريض والهجاء. وكل نمط من هذه الأنماط يُمارس تشكله عبر حوار الشخصيات والحوار الداخلي، ولكنه يتخذ اتجاهاً مُضادا على الدوام، أي يكون ناتجاً هذه المرة من المتلقي، وفي اتجاه النص.
ففي قصة «أحزان نادية « تتضح حوارية الذات مع نفسها، حوارية يُهيمن عليها الشعرية على نحوٍ ما:
« أصبح الشيب يغزو شعره.
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
كنتُ أصبغ شعره كل أسبوع، بل إني صبغتُ شعره يوم زفافه على ناهد.
ـ أنت تحبينني بلا شك يا نادية!
ـ اسأل قلبك.
ـ لماذا إذن تُطارديِني في الجامعة والنادي وبيوت الأصدقاء؟
ـ أريد أن أُحافظ على صورتك كأستاذ جامعي!
ـ أنتِ أيضاً أستاذة جامعية؟
ـ هل تلومني على شدة حبي لك، ومحاولتي أن أحافظ على صورتك من عبث هذه العابثة؟
ـ أنتِ يا هانم .. كسرتِ الصورة! وزعمتِ أني أحب تلك التلميذة الصغيرة»(6) .
هنا تُهيمن اللغة الشعرية وتحليل الأشياء وعلاقتها بالوجود في منطق نفسي يتعمق في الذات، ويستلهم الخطاب الشعري.
وفي قصة «سره الباتع» أسهم الحوار برصد عناصر البناء القصصي في بيان مظاهر السخرية وكشف ملامح التهكم والتحريض التي تتحكم بحركة القصة.
يبدأ الحوار حاداً وقويا في كشف ملامح التهكم والهجاء التي يقوم الكاتب على اعتمادها عبر المُفارقة الكامنة في علاقة الأشياء والشخصيات:
« ـ والله .. الشيخ عمران ما يتنازل عن حقه!
وأرد في انفعال:
ـ أستغفر الله العظيم.
ويسألني محمد الشامخ:
ـ لماذا تستغفر؟
ـ لأنه ميت .. لا يستطيع أن ينفع نفسه، فكيف يتنازل أو لا يتنازل؟ » (7).
ويدور الحوار بين الراوى وبين " محمد الشامخ" ولكل منهما تعبيراته الخاصة واستخدامه للغة على نحو ما ، وقد نجح الكاتب فى الإبقاء على تغمية اللغة لدى كل منهما بالمحافظة على التعبيرات التى ربما لا تعرفها المدينة فى وعيها الثقافى ، وهو ما اكسب الحوار بعداً خاصاً له إيقاعيته ونغميته الشعرية .
*البناء الزمني:
إذا كان الزمن في العمل القصصي والروائي يخضع لبناء مُحكم يتمثّل الوعي الصارم بتراتبية الزمن وعلاقة العلة بالمعلول والسبب بالنتيجة، فإن الشعر وهو من الفنون الزمانية أيضاً يختلف تماماً إذ يهدم تماماً مبدأ التراتبية الزمنية، ويهدم بالتالي مبدأ السببية الصارم.
والزمن في مجموعة «مجنون أحلام» للدكتور حسين علي محمد مُتشابك، يصعب الإمساك به، حيث يعتمد في أكثر من نص الزمنَ المُتصالب العمودي والأفقي، وفي جزء كبير منها اعتمدت (الفلاش باك)، وقد تتابعت الأحداث بسياق غير عادي، مع بعض القطع في الصورة والتخيل، وتفتيت البناء الزمني في المجموعة هو الملمح الأكثر تحققاً وقصيةً من الكاتب.
في قصة «تلك الليلة» يقول:
«توقعتُ أن أُضرب بالرصاص ساعة الفرار .. يُطاردني جندي مع زملائي الثلاثة الفارين، ويطلب منا التوقف، فنجري، فيُطلق علينا النار.
كيف ستستقبلني أمي؟ وهل ستكلمني كلامها المعهود .. لقد جاوزت الأربعين يا بني .. فمتى تُسعد قلبي ببنت الحلال؟ .. ثم تقصُّ لي ما جرى لأبناء القرية جميعاً في غيابي .. الذين تزوّجوا .. والذين ماتوا .. والذين سافروا للعمل في ليبيا والعراق» (8).
على هذا المنوال يجري الزمن الكلي العام في انتقال غير محدد الهوية بين الحاضر والماضي ولكن يحمه منطق الحكي، ليس تبعاً لتسلسل الأحداث هنا، فالأحداث تقتضي تسلسلاً زمنياً تسلم فيه ( أ ) إلى ( ب )، إلى ( ج ) تبعاً للبناء الزمني. وإنما منطق الحكي هنا يسعى فيما يسعى إلى تفتيت هذا البناء الزمني، لا لشيء سوى استجابة لمفاهيم الشعرية القصصية بمفاهيمها الجمالية المُصاحبة في كسر أُفق التوقع، وكسر الألفة النمطية للتقنيات السردية المعهودة وأبنيتها التي أصبح الكاتب يراها مكررة.
أما الزمن الخاص على مستوى المشهد السردي الداخلي فإنه أيضاً يخضع لهذا التفتيت، ففي قصة « لن يُكلم نفسه في الشارع» يقول:
«كدتُ أرسل قصتي (أو مشكلتي مع ابني هاشم) لعبد الوهاب مُطاوع ليكتب لي الحل في «بريد الجمعة» بصحيفة «الأهرام»، وتتلخّص في أني مررتُ خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة بعدة تطورات جعلتني لا أستطيع أخذ القرار الصحيح في أي مشكل» (9) .
فالحكي في هذه القصة ينتقل عبر الزمن من الوراء إلى الأمام، إلى الوراء إلى الأمام مرة أخرى، ثم يعود إلى اللحظة المسرود عنها التي جاءت في ثنايا لحظة قصصية.
وتتمثّل شعرية البناء الزمني في مجموعة «مجنون أحلام» في أنها تُقدم خطاباً يختزل زمن قصة الحاضر في لحظة، أو بخطاب تتداخل في زمنه الأزمنة، وهو بهذا يخرج على قواعد شعرية أرسطو، ويتحرر من منطق التحول الذي ينتهي بالشخصية إلى قدرها، ولا تعود الحكاية باعتبار البداية والعقدة والنهاية وقوام الشعرية. وهُنا يُصبح النص القصصي مستهلاً أو حالة مفتوحة على الزمن، ومفتوحة بحرية على فاعلية القراءة.
*شعرية المكان:
أياً كانت طبيعة المكان في القصة، سواء أكان المكان المُحدَّد بحدود جغرافية، والذي يشغل مساحة نصية ما تكون هي الحدث أو هامشه، أم كان المكان الذي لا يعدو أكثر من مُشَار إليه (ركن في بقعة ما من بقاع العالم) أو (صالون سيارة) أياً كانت الطبيعة فإن المكان يمكن أن يتخذ شكلاً ما من أشكال الشعرية، شعرية تجعل المتلقي يقف إزاءها متأملاً بأمل القاص في منحها صفات إنسانية أو إضفاء أبعاد سيكولوجية عليها، فكل أماكن لحظات عزلتنا الماضية والأماكن التي عانينا فيها من الوحدة، والتي استمتعنا بها ورغبنا فيها وتآلفنا مع الوحدة فيها تظل راسخة في داخلنا، لأننا نرغب في أن تبقى كذلك، فالإنسان يعلم غريزياً أن المكان المرتبط بوحدته مكان خلاق. يحدث هذا حتى حينما تختفي هذه الأماكن من الحاضر، وحين نعلم أن المستقبل لن يُعيدها إلينا.
ففي قصة «سره الباتع»، والتي اتخذت من « كفر الشيخ عمران» مسرحاً لها تتجسّد هذه الشعرية في المكان، عند زيارة الراوي إلى الكفر والذي عاد إليه بعد عشرين عاماً، عندما كان مولد الشيخ عمران كل شيء بالنسبة لأهل القرية حيث يجتمع الآباء والأقارب بالملابس الزاهية ويذهب الأولاد إلى المراجيح والبنات الحلوة ..
أما ما حدث بعد ذلك فقد أكّد شعرية المكان إذ يسترسل الكاتب في وصف شعرية المكان برؤيته الشعرية الحالمة، كما عبّر هو عنها:
«نعرف جميعاً أن بعض الكهول من أبناء القرية يحتفلون في ليلة العيدين بحلقة ذكر داخل مقام الشيخ الذي يتوسّط مقابر القرية، ويُضيئون الكلوبات ويتمايلون يمنة ويسرة، وينشدهم الشيخ عبد الهادي حدّاد قصائد الوجْد والهيام والحب الإلهي، ويظلون كذلك، يغنون ويتمايلون حتى يخرجوا لصلاة الفجر، ثم يؤدون صلاة العيد في المسجد، ويعودون لبيوتهم»(10) .
شعرية البناء:
بحيث يبدو النص بناءً مُتشابكاً لو حذفتَ منه كلمة واحدة انهار البناء، وتلك سمة جوهرية في البناء الشعري الذي يعتمد تكثيف المعنى واختزاله.
وتأتي قصص الدكتور حسين علي محمد مصداقاً لهذا البناء الذي يعتمد شعرية الدلالات التي لا يُمكن معها حذف كلمة واحدة من النص وإلا انهار البناء كله، فالسرد هنا يتخذ سمة الحبك البنائي الشعري الدقيق ويسعى إلى ضم التفاصيل الدقيقة ونظمها في سلك رفيع وأنيق معتمداً على لغة خطاب، كل ما فيها يتحدد بدقة مُتناهية الحساسية.
وهي قصص تتفق في تعريتها للواقع بما يكشف عن شعرية البناء وحركة البناء وفاعلية الحوار بطريقة غير مألوفة على نحوٍ ما.
وفي قصص المجموعة تركيز لا على بناء الأحداث ورصفها وحبكها وإنما على البناء اللغوي في تكامله وتكثيفه وشعريته وتعدد دلالاته، ومن ثم لا يُمكن بأي حال من الأحوال تجاوز جملة واحدة لمُلاحقة أحداث أو التجاوز عن فقرة أو صفحة، وإنما تحتاج القراءة إلى تركيز على كل دال ومفردة وإلا انهار البناء القصصي كله.
*شعرية الشخصيات:
هل يرسم القاص شخصيات قصته قبل أن يكتبها أو يمنحها أدوارها؟ أم إنه يرسم الشخصية تبعاً لتحولات الموقف وتحولات الخطاب، بمعنى أنها تكون شخصية وليدة في مواقفها عبر اللحظة الزمنية؟.
أعتقد أن شخصيات قصص الدكتور حسين علي محمد في هذه المجموعة لا تعتمد على تحديد ملامحها وأبعادها وسماتها الجسمانية والثقافية، وإنما تستبدل ذلك بطرح أنماط للشخصية وليست شخصيات حقيقية ـ بالرغم من التصريح بأسماء حقيقية لأشخاص حقيقيين ـ أي أنها أنماط تصدق ماهيتها على نماذج كثيرة قد تكون في كل مكان. ذلك النمط الذي عندما تقرأ عنه تكتشف أنه قد مرّ عليك في مكان ما، وربما كان يسكن قبالتك مباشرة، فالشخصية في هذه المجموعة تتحدد شعريتها:
ـ من كونها غير محددة قطعاً، وغير دالة على شخص بعينه، بحيث يتميز بصفات جسمية وعقلية معينة.
ـ ومن كونها شعرية في ذاتها، أي ترسم أبعاداً لنمط الشاعر المفكر، الذي يؤول الأشياء تأويلاً متعدد الدلالة، ويرى العالم برؤية شعرية على نحوٍ ما.
فأنماط مثل:
*«رشاد» الذي يشك في زوجته التي تذهب إلى بيت خالتها مرة في الأسبوع «بيت خالتي» ص99.
*سامح سري في قصة «تلك الليلة» ص86.
*وشخصيات «أحلام» في «مجنون أحلام»، و«نادية حمدي» في «برق في خريف»، و«صباح» و«سناء» في «اللهم أخزك يا شيطان»، و«نورا» في «شرخ آخر في المرآة»، و«ناهد» و«نادية» في «أحزان نادية»، و«أنوار» في «الحافلة التي لم أحلم بها»، و«صابرين» و«عبلة» في «رحلة أخرى»، و «جميلة عودة» في «في المدى قنديل يُضيء»، و«هند» في «ومضة الرحيل»، و«سميرة عاكف» في «النظر إلى الخلف»، و«أم عمر» في «بلا دموع»، و«سلوى» في «تلك الليلة»، و«شادية» في «لن يُكلم نفسه في الشارع»، و«سناء»في «بيت خالتي» و«داليا» في «أم داليا».
كل هؤلاء تمثِّل نمطاً قد لا يصدق على شخص بذاته بقدر ما يصدق على شخوص عدة في حياتنا جميعاً.
وهذا المنحى لبناء الشخصية ليس من تقنيات الكتابة القصصية، ولكنه من تقنيات الكتابة الشعرية التي لم تكن تهتم يوماً بطرح سمات الشخصية اللهم إلا من جانب ما يُكرس لشعرية النص.
ومن جهة أخرى فثمة بناء شعري يكثف بعض الشخصيات، إما من جهة الفعل، أو من جهة التكوين، و وينتمي إلى الأولى بطل قصة «تلك الليلة» ص84، والذي هرب من السجن الذي ذهب إليه لأنه فكّر في أن يكتب نصاً مسرحياً مستوحى من خطاب الرئيس المؤمن (إن شعرية الشخصية هنا تنبع من بحثها عن ذاتها غير المتحققة دوماً، والكشف عن رغباتها الرومانسية بمعناها الشعري على نحو ما) .
أما شخصية «الراوي» في قصة «سره الباتع» ص38، فإن شعريتها تنبني على نحو مختلف، حيث تنتمي إلى نمط الشخصيات الشعرية في ذاتها، وكذلك في قصة «لن يُكلِّم نفسه في الشارع»، يقول البطل:
«كنتُ قد أصدرتُ ديواني الخامس» ص93، إذن البطل شاعر، وهو هنا يكشف عن شعريته.
وشخصيات القصص تسرد كل شخصية سرد الكاتب نفسه ومن زوايا اهتماماته، فهو وإن كان يسرد عن شخصيات فإنه يسلبها حق التدخل في حديث لا يروق له، أو لا يُريد هو أن يسرده اللهم إلا إذا كان الحديث سرداً عن الذات الساردة؛ ومن ثم تُحيل هذه الحكائية العمل إلى بنى تحكي عن أحداث يمكن الإشارة إليها. فالكاتب لا يسعى إلى تحديد جوهري لمسألة الوظيفية، بل إن جمالية القصص تؤسس للفكر الظاهري.
*شعرية الذات:
وتمثل نمطاً مهما من أنماط شعرية القصة عند الدكتور حسين علي محمد فيما يُمكن تسميته بكتابة «نص الحالة»، وهو نص مفتوح المواجع والمسارب، وقد يكون ملتبس المنعرجات، ولكنه يقوم على نواة محورية غائرة، هي مساءلة الذات الفارقة تاريخياً وأسطورياً.
ففي سرد الذات تبدو الحكاية فيه إن كانت هناك حكاية تُحكى على نحو مألوف ـ تبدو كما لو كانت نصاً شعرياً غنائياً، بمفهوم الذاتية، يعبر فيه القاص / الشاعر عن علاقته بالكون والحياة والأشياء من حوله، ويُناقش رؤاه وفلسفته، ويطرح أسئلته وهمومه الفكرية، يعرض لعذاباته وأحلامه وأمله ويأسه، لغضبه وفرحه، لتشكلات حالات الوعي لديه، لانغماسه في حياة يُمارسها ربما دون أن يعرف هويتها.
ففي نص «حياة» (ص107) يبدأ القص من منطقة بين الوعي واللاوعي، بين الحلمي والواقعي، شيء أقرب إلى الكابوس، أو على شفا حفرة منه:
«أجلس في غرفتي الملحقة بالمدرسة، فوق السرير الذي أعدتُ ربط أركانه وقاعدته بحبال بلاستيكية، اشتريتها من بقالة «محمد الصغير».
أطالع مجلة «اليوم السابع»الموضوعات السياسية الساخنة أولاً، ثم السينما، ثم بقية الفنون.
ها هو يوم جليدي آخر.
درجة الحرارة لا تتعدى الصفر.
العنكبوت الممدد بين ضلفة الباب المعتمة، والركن .. يُخيل لي ـ مع التصدع الباقي من أثر الزلزال ـ أنه يُشبه خطيباً يصرخُ في الناس، وترتفع يداه كخطيب سياسي يُضاحك الجماهير!
أتنحنح..
لا أسمعُ إلا صوتي» (11) .
والأمر برمته وإن بدا سرداً لذات، إلا أن المفردات المركزية فيه تعتمد بنى الشعرية من خيالات وتكثيف في الرؤية وغموض معناه الشعري..
***
الهوامش:
(1) حازم القرطاجني : منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص89.
(2) د. حسين علي محمد: مجنون أحلام، قصص، أصوات مُعاصرة، العدد (150)، دار الإسلام للطباعة، المنصورة 2005م، ص52.
(3) السابق، ص106.
(4) السابق، ص74.
(5) السابق، ص57.
(6) السابق، ص47.
(7) السابق، ص39.
(8) السابق، ص74.
(9) السابق، ص97 .
(10) السابق، ص41.
(11) السابق، ص107.
............................
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:06 pm

الشاعر الدكتور حسين على محمد .. والطاقة الإبداعية
بقلم أ. د / صابر عبدالدايم
الحمد لله الرحمن الرحيم .. علم القرآن ، خلق الإنسان ..علمه البيان . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد .. أفصح العرب لسانا …… أوتى جوامع الكلم ..
فكلامه .. ألقى الله المحبة عليه … وغشاه بالقبول … ،
وبلاغته كما يقول الرافعى : هى البلاغة الإنسانية التى سجدت الأفكار لآيتها، وحسرت العقول دون غايتها – لم تصنع – وهى من الإحكام كأنها مصنوعة . ولم يتكلف لها وهى على السهولة بعيدة ممنوعة .
وبعد :
ففى هذه الليلة المباركة المضمخة بطيوب المحبة .. ونسائم الإجلال والتقدير ، لايسعنى إلا أن أعلن أمام الجميع وأجهر بما كنت أكنه فى نفسى .. وأخبئه خلف لسانى .. وهو إعجابى الشديد .. وحبى الأشد .. وشعورى بالألفة والحميمية .. والقربى .. لنجم هذه الدار العامرة .. الأديب الشيخ عبدالمقصود خوجة .. إنه بهذا الصنيع الحضارى .. يكرم الكلمة الطيبة ، ويجسد نموذجاً للوجدان العربى ، وأجدنى مسافراً فى سنابل الزمن .. ملقياً برحلى فى دار أبى تمام ، وبدون استئذان أنقل آلة الزمن .. كلماته العذاب .. وهى مازالت ممشوقة القوام ، عربية القسمات
ظبية من ظباء وجرة أدماء .. تسف الكماث تحت الهدال
حرة طفلة الأنامل ترتب سخاماً تكفه بخلال ..
.. هذه الكلمات " الحسان " التى تصور ملامح المروءة – والصدق – والأصالة فى الإنسان .. الأحق بها هذه الليلة – الفارس النبيل الأستاذ عبدالمقصود خوجة – فمن أحق منه بهذا الخطاب الإنسانى الصادق فى هذه الليلة المضيئة .
ألبست فوق بياض مجدك نعمة بيضاء حلت فى سواد الحاسد
ومودة لا زهــدت فى راغب يوماً ولاهى رغبت فى زاهد
عنــاء ليس بمنكر أن يغتدى فى روضها الراعى أمام الرائد
ماأدعــى لك جانباً من سؤدد إلا وأنت عليه أعــــدل شاهد
د/ حسين على محمد .. والطاقة الإبداعية ..
الشاعر الدكتور / حسين على محمد منذ ثلث قرن .. 0 الثلث الأخير .. من القرن العشرين ) وهو يشارك فى الحياة الأدبية " المصرية والعربية " مشاركة فعالة جادة ، ومشهد هذه المشاركة يتجسد فى متابعته الجادة لتطور معالم الحياة الأدبية ، والوعى الفنى بملامح هذا التطور … ، وإنعكاس هذا الوعى على نتاجه الإبداعى .. رؤية وبناءً ، وتنوعاً فى الفن الأدبى … ، وتضاريس هذا الفن .. وتجلياته التشكيلية .. والطموح إلى التجازو والابتكار .. وهذه المتابعة الجادة الواعية للمشهد الإبداعى العربى .. لم تكن أحادية الجانب .. أو كما نقول " حب من طرف واحد " .. ولكن كان التفاعل .. والحوار .. والصدام .. والوئام .. من مفردات هذا الحضور الثقافى والإبداعى .. على الساحة المغطاة بالأشجار الباسقات .. والحشائش المتسلقات … ، وحسين .. منذ كان برعماً صغيراً .. إلى أناستوى على سوقه .. يتجول فى هذه الساحة .. يراسل .. كبار الأدباء والنقاد ، ويحتفظ بآلاف الرسائل فى خزانة كتبه … التى تئن الآن من تراكم المجلات والجرائد .. والرسائل .. فهو يراسل الأدباء ..والنقاد .. فى المغرب .. وتونس .. والأردن .. والعراق .. والسعودية .. والبحرين .. وسوريا .. واليمن ، وقد تمخضت هذه الحركة عن مولود .. فى أدب الرسائل . حيث أصدر كتاباً يصور فيه الملامح الشخصية والأدبية والنقدية للأديب الناقد .. وديع فلسطين .. معتمداً على الوثائق والرسائل الخاصة المتبادلة بينهما ، ود/ حسين على محمد .. باحث عن المجهول .. يعنى بأدباء الظل … أو الأدباء الذين ابتعدت عنهم أضواء الإعلام … وربما شاركت هذه الرؤية لديه فى إلقاء " الظل " عليه .. أو الإبتعاد به قليلاً عن " الوهد الإعلامى " .. ، والضجيج الأجوف البراق ، .. ولكن موهبته الأصيلة .. وملكته الفطرية .. مازالت : هى النار المبدعة التى لم تنطفئ .. ، وقد تفتحت ملكته الإبداعية فى ظل نكسة 1967 م .. – وهو ظل ملتهب منكسر ، وهذا الانكسار صبغ رؤية حسين على محمد بالتشاؤم والتحدى ، وتحركت فى شرايين الطاقة الإبداعية لديه دماء ساخنة أبعدته عن تيار الرومانسية الهادئ ، وعن حركته المنسابة فى غير ما ضجيج ولاصخب ، …وهو منذ هذا التاريخ .. وهب حياته لفنه .. حماساً ومتابعة وتفاعلاً وابداعاً ، وفنه الشعرى يتمرد عليه كثيراً ، لكنه يقاومه ويسيطر عليه بما يتقد فى ذاته من وهج إبداعى صادق ، واع وحماس مخلص يدور الشعر الرائد فى الكشف عن الحقيقة التى تهرب كثيراً من عقول الفلاسفة ، وتجارب العلماء مهما جدوا وتنافسوا فى البحث عنها .. وحبه للشعر .. عشق ووجد وذوبان .. يفنى فيه المحب فى ذات المحبوب .. فإذا هما شئ واحد ..
وتتوالى دواوين " حسين على محمد " بدءاً من " السقوط فى الليل " إلى " غناء الأشياء " تسعة دواوين شعرية من شعر الفصحى ، وله أكثر من ديوان فى شعر العامية المصرية . وقد أعلن توبته .. وندم على مافات .. وعزم على أن لايعود لقوله : الشعر العامى " البته ط وهو محق فى ذلك .. ونأمل أن تكون التوبة نصوحاً .. ولاتكون من قبيل توبة الشعراء .. وحين نرصد معالم التجربة الشعرية لدى حسين على محمد .. نشهد هذه المرائى تتحرك أمامنا.
أولاً : البوح الذاتى .. وهذا المعلم يمثل تياراً رئيساً فى نتاج حسين الشعرى كله .. حتى فى القصائد ذات الحس الإنسانى .. والوطنى .. والدائرة فى الفلك الإجتماعى .. والتى تعتمد على توظيف المواقف ، والشخصيات التاريخية .. والأسطورية ، وقصيدته : " أغنية حزينة " التى كتبها فى الظل الدامى .. لانكسار .. يونيو 1967 م . نموذج لذلك يقول فى مطلعها :
الصمت تمدد فى أقبية الخوف
فرأيت جناحى أغنتى المكسورة فى القاع .. يقتتلان ..
ورأيت الظل المشطور بحد السيف
يتقهقر منهزماً .. نحو الصيف المقهور الأحرف والكلمات
ووجدت ربيعى طللاً .. يبكى حبا مات ..
… وعناوين دواوينه .. تفصح عن هذا الملمح الذاتى الذى يؤكد أن شعر حسين صورة لحياته .. التى تذوب فى الروح الكلى .. وروح المجتمع .. وروح الإنسانية – لكنها تظل متمسكة بخصائصها ومقوماتها .. وأشواقها ورغباتها .
ثانياً " التأمل .. والتمرد .. والتأمل فى شعر حسين – ليس تأملاً تجريدياً – وليس تأملاً فى ماهية النفس .. وقواها المختلفة .. ورصد الصراع بين هذى القوى .. ، ولاتأملاً باحثاً عن الحقائق الكبرى فى الوجود ، ولاتأملاً فى الطبيعة الكونية .. ، وإنما تأمل فى أحوال الإنسان .. ورصد حركة الصراع .. بين الواقع .. والحلم ، بين الصدق والادعاء ، بين الزيف والحقيقة .
ولنتأمل هذه التساؤلات .. التى يقذف بها " الصدى " فى وجه " الصوت "
هل كنت أطياف نـور غــــدا بدربى خطايا
أم كنت ناراً بخلــدى لم تبـــــــق منى بقايا
أم كنت عارى وحزنى وصوت صمت بكايا
أم كنت ميلاد قهـــــــر فى صحوتى وسمايا
فصرت روحـاً غريباً وصار دربى شظايا
ثالثاً : استدعاء التراث وتوظيفه فى تشكيل " التجربة الشعرية " :
.. وحسين على محمد .. ينطلق من التراث الإسلامى بكل معطياته شخوصاً وأماكن ومواقف وأزماناً .. وقيماً سامقة .. وهو يستدعى هذه المعالم بدافع من الإحساس بالتصادم مع حركة الحياة المتناقضة فى هذا العصر .. فيفزع إلى التراث باحثاً عن المواقف المضيئة فى سيرة التاريخ ليعود بنفس منها إلى الحاضر الآسن .. لعل هذا الحاضر من لهوه يفيق .. ومن عثرته ينهض .. ومن علله يبرأ ،
… فالشاعر يستدعى قصة يوسف متمثلاً التراث الإنسانى والإسلامى .. فى قصيدته " فواصل من سورة الموت " ويكتب مطولة شعرية مكونة من عشرة مشاهد .. عنوانها : " من اشراقات عمرو بن العاص " أو التحديق فى وجه الشمس ، ومن مكابدات عبدالله بن الزبير " ومن " أوراق سعد بن معاذ " يستوحى قصيدة مطولة مكونة من خمسة مشاهد .. تجسد " الحس الحضارى الإسلامى فى مواجهة الزحف اليهودى الصهيونى المعاصر .. ومن أقباس شخصية المصطفى صلى الله عليه وسلم . والفاروق عمر ، وبلال … وأبى ذر يشعل حسين على محمد مصابيح تجاربه .. متجولاً فى دروب العصر المظلمة رغبة منه فى إيقاظ الوعى الحضارى المدرك لحقائق الإسلام .. الباهرة .
وتطالعنا هذه العناوين المثيرة ………( صهيب ينادى وامعتصماه ) مهداة إلى ( إلى سرييفو المحاصرة ) وسطور من مواجيد ابى الطيب المتنبى ، من مكابدات صفوان ابن أمية – أوراق من عام الرمادة " الأميرة تنتصر " .. وهذه القصيدة مستوحاة من هزيمة الصليبيين فى مصر .
وتجارب حسين على محمد فى هذا المضمار ثرية خصبة تؤكد قدرة الشاعر الملتزم بالتصور الإسلامى على صياغة تجاربه وفق المعايير الجمالية الحديثة لغة ومعجماً .. وصورة ورؤية ، ومعماراً فنياً .
رابعاً : معالم التشكيل الفنى فى شعر حسين على محمد :
تتنازع حسين على محمد عدة أطر فنية فى القالب الشعرى … ، وكلها .. تنحو نحو " التحديث الشعرى " ومواكبة الموجات الجديدة فى تطور القصيدة العربية .. فى معجمها .. ولغتها .. وصورها .. ورؤاها .. وهذه القوالب الفنية تجئ على هذا النحو :
1 ) القالب الخليلى " المتوارث " .. " شعر الشطرين " .. ويمثل هذا القالب نسبة قليلة فى النتاج الشعرى لدى الشاعر .. ومن أطول أعماله الشعرية فى هذا الإطار .. قصيدته "رباعيات" وهى من أطول قصائده فى هذا الشكل الشعرى إذ تبلغ 40 أربعين رباعية تبوح برؤيته وموقفه من صور الحياة المتصادمة سياسياً .. واجتماعياً .. وسلوكياً …
ومنها سبع خماسيات فى ختام ديوان " غناء الأشياء " .. ومن القصائد الجيدة ذات الرمز المضئ .. قصيدة " حديث إلى النخلة " : ومنه قوله :
يانخلة فى حنايا الروح تمطرنى بوابــل الرمل فـى العينين والوصب
رايات حزنك فى عينى ترفعها أصابـــع الملح بالأنـــــواء والنــوب
هذا دمى فى يدى كسرى يقر به وبيتنا فى الوغى حصن من الحطب
إلى متى نتخلى عنك فى شغف ببارق خادع من أنجـــــــــــم الكذب
وأنت راية أجـداد وسرب منى وذوب قلب شــدا بالنار والغضــب
القادسية نــور الفتح فــى دمنا ووردة طفلة فـــــى القلب لـم تشب
2 ) المزج بين الشكل المتوارث والشكل الجديد ..
وفى هذا الاطار يقدم الشاعر الشكلين فى امتزاج كامل من شعره ، وهو تقليد فنى ينتهجه كثير من الشعراء المعاصرين .. وأحياناً يضمن الشاعر .. تجربته الجديدة مقاطع من الشعر العربى القديم مازجاً بين اللونين فى اتساق فنى كامل .. مثل قصيدته " خمس صفحات من كراسة المجنون " وفيها مزج بين تجربة حسين الوجدانية الرامزة وبين تجربة مجنون ليلى .. التى ملآت الدنيا .. وسارت بها الركبان
3 ) المطولات الشعرية ذات الأصوات المتعددة والحوار .. والدراما ………..0 ومنها " أوراق العمر الضائع " تسعة مقاطع ، وقصيدة " القصيدة " وهى تسعة أناشيد و " من إشراقات عمرو بن العاص " وهى مكونة من عشرة مشاهد ، و " ومن أوراق سعد بن معاذ " وهى خمسة مشاهد
4 ) القصائد " البرقيات " أو " الشظايا " أو " الشهب " أو " التوقيعات " .. وهى قصائد قصيرة جداً تحمل شحنة وجدانية رامزة مكيفة .. ويمكن أن تتعدد وجوه تأويلها .. ولها أكثر من قراءة .. وكل يفسرها حسب توجهه الثقافى والمذهبى ، .. ومنها قصائد: الغربان - الخوف – مملكة الصمت – الوهم – قطط مائية – الجواد المكسور – وردة – الغزالة – وفى قصيدة " وردة يقول :-
هى وردة الفجر التى .. ألقت مباسمها إليك ولاتروح
ولكل لفظة نبضة .... ولكل فاتنة جموح
ولكل سهم برقة .. ولكل لاحظة جروح
5 ) المسرح الشعرى :
.. وشعر حسين .. وخاصة القصائد المستوحاه من التاريخ .. تقوم على الحوار وتعدد الأصوات .. وهى أقرب إلى الدراما الشعرية .
.. وقد أبدع ثلاث مسرحيات شعرية – مسرحية " أبى ذر الغفارى " " الباحث عن النور " و " الرجل الذى قال " و " الفتى مهران 99 " .
.. وهو فى المسرحيات الثلاث .. ينوع أدواته الفنية . فالتراث الإسلامى يستمد منه مسرحية " أبى ذر الغفارى " .. وهو لم يقلد غيره من الشعراء المعاصرين الذين اتخذوا من أبى ذر رمزاً لمقاومة الثراء وقالوا أنه أول اشتراكى فى الإسلام ، وهى صورة قاصرة لشخصية أبى ذر ، فالغنى ليس مرفوضاً فى التصور الإسلامى ، وكذلك الفقر ليس هدفاً يركض وراءه المسلم .
ومسرحية " الرجل الذى قال " نموذج للمسرح الواقعى الذى يجسد حركة الحياة فى صورة مباشرة ، أما مسرحية " الفتى مهران 99" فهى أقرب إلى المسرح الذهنى والرمزى ، وكأن " د / حسين على محمد " يؤمن بأن قدرة العمل الأدبى نفسها على أن تكون مرآة للواقع تتطلب انفصالاً عن الواقع يتسم بشدة التوتر والفعالية والعمل الأدبى الجيد " يخلق تأثيراً جمالياً بفضل حيوية مادته ، والتوصيفات السيكولوجية ، والمشاهد الدرامية المتفرقة ، والاستطرادات الاجتماعية حول قضية من قضايا الساعة الملحة ، " وفى هذه المسرحية تتجسد الرؤية الإيجابية فى مواجهة القهر والظلم والفساد ، وتعلن عن رفض " حسين على محمد " لكل مفردات الاستلاب والتفسح والقمع والجهل ، والخنوع والذلة ، وهذه من ألزم الصفات التى تدفع بالإنسان إلى أفق الفعل النبيل ، والحياة الكريمة فى ظل المبادئ والقيم العادلة .
6 ) وظيفة اللغة :
إن وظيفة اللغة فى شعر حسين على محمد لاتنحصر فى مدلولها المعجمى أو تراكيبها التقليدية ، بل يعيد صياغة اللغة ويعيد تشكيلها .. مع البعد عن دعاوى التحطيم ، والتجاوز والتحذير ، ومع الحرص على جعل " الوظائف النحوية ، وكذلك الأساليب المتنوعة ذات دلالة فنية إيحائية فى الصياغة الشعرية "
فاللغة فى قصائد " حسين على محمد " لغة إشارية تحيل المعنى المجرد إلى كائن مشاهد إيماناً بالقيمة التصويرية للغة ، وإيماناً بأن لكل وحدة لغوية دورها فى العمل الفنى .
وأتفق معه فى موقفه ضد من يقول : إن الشعر مغامرة لغوية فقط ، وأنه يقوم على مبدأ الانحراف ، وبعضهم يغالى فيعد تدمير اللغة نشاطاً إبداعياً ، وهذا ليس صحيحاً ، ولاتسانده رؤية ثاقبة منصفة ، فالتجديد غير التدمير والقصيدة إحساس متنام ، والشعور فيها متصاعد ، ونجاح القصيدة يتجسد فى عدم كسر هذا الشعور ، أو الوقوف بها دون مداه ، أو بعثرته فى مزايا متعاكسة ، فاللغة الموحية تشد القارئ ولاتتركه حتى يفرغ من القصيدة ، فإذ بكيانه يشرق بالمشاعر الجديدة ، والأحاسيس الصافية الغائرة ، فى أنحاء النفس ومجالات الشعور . وكانت الطبيعة فى شعر حسين على محمد – وفى الشعر المعاصر – تتحول إلى رموز حية تضئ الواقع وتفتح أمام النفس دروب المعرفة .
والتشكيل بالصورة الشعرية من أهم الوظائف التعبيرية فى شعر " حسين على محمد " وأهم سمة لهذا التشكيل أن القصيدة – فى بعض نتاجه الشعرى – تصبح صورة واحدة كلية
ويمكن أن أقول إن " حسين على محمد " يدور فى فلك القائلين " بأن للشاعر طبيعتين: إنسانية ، وفنية ، فالشعر لديه : ينبع من مصدرين : من جبرية غامضة تكمن فى " اللاوعى " ومن تنظيم صناعى تام الوعى " فهو عملية تختلط فيها الحياة باللغة ، ويتراوح فيها المعنى بالمبنى ، ويلعب فيها كل من التنقيح والطبع دورهما .
وفى النهاية أوجه تحيتى وشكرى وتقديرى للمحتفى به الصديق الدكتور حسين على محمد .. متمنياً له دوام التوفيق . وإلى صاحب الأثنينية عظيم الشكر وبالغ التقدير لحفاوته بالعلم والعلماء والأدب والأدباء .. والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
• أٌلقيت حينما كرَّمت الشاعر حسين علي محمد اثنينية عبد المقصود خوجة في 1/11/1999م، وأُلقيت كلمات أخرى للأساتذة: عبد المقصود خوجة، ود. محمد بن سعد بن حسين، ود. حمد الدخيل.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:08 pm

الدكتور حسين علي محمد يشرب القهوة في فندق الرشيد !
بقلم/ مجدي محمود جعفر
ضمن سلسلة كتاب الرسالة صدر للشاعر والأديب والناقد الأدبي المعروف الدكتور حسين علي محمد ديوانين في مجلد واحد :الأول بعنوان ( المتنبي يشرب القهوة في فندق الرشيد ) والآخر بعنوان ( رحيل الظلام ) ، وسنتناول في هذه العجالة الديوان الأول ، راجين أن نتناول الديوان الثاني في مقال لاحق .
يضم ديوان ( المتنبي يشرب القهوة في فندق الرشيد) عشرون قصيدة ، كتبها الشاعر ما بين عامي 1977م ، 2007م ، وهي كالتالي كما وردت حسب ترتيبها في الديوان :
1 – فتنة في 26|12|2005م
2 – لا في 11|5|2005م
3 – شمس صباح آخر في 12|2|2006م
4- صهيل قادم في 1|5|2006م
5- ليلى .. لا تجدد أحزان قيس ! في 9|4|2007م
6 _ وحدة في 23|2|2006م
7- خيط الوهم في 18|3|1987م
8- محاورة وجه لا يغيب في 17|3|1981م
9- قطرات من دم الحسين في 4|12|1979م
10- صوب قلبك في 20|1|2006م
11- الخطبة الأخيرة لمسيلمة الكذاب في 29|1|1996م
12-خداع في ..........
13- وحل في 3|11|200م
14- العودة في 23|5|1989م
15- مطر .. مفاجئ ! في 24| 5 |2007م
16– أيا دار عبلة عمت صباحا ! في 14|5|2001م
17- المتنبي يشرب القهوة في فندق الرشيد في31|12|2003م
18- حظك هذا الأسبوع في 1|4|1977م
19- رواية أخيرة للعشق الذاوي في 12|11|2007م
20- لما يأت زمن بلقيس في 10|11|2007م
وننوه أن القصيدة رقم 12 والتي تحمل عنوان ( خداع ) كما هو مُثبت في الفهرست ، سقطت من الديوان ، وجاءت الصفحة رقم 29 خالية منها ، وعلى الناشر أن يتدارك هذا في الطبعات المقبلة ، وتعود القصيدة إلى موقعها في ص 29 ، وهذه واحدة من آفات وأخطاء الطباعة عندنا ، وسقوط قصيدة من الديوان ليس بالأمر الهين ، فقد تكون هذه القصيدة هي مفتاح القارئ والناقد للولوج إلى عالم الشاعر الشعري ، وقد يلتقط القارئ منها خيط البداية وينطلق من خللها إلى القصائد الأخرى ، قد تكون البؤرة الضوئية التي تكشف للناقد عوالم الديوان ، قد تكون بمثابة النواة ، أو المركز ، وحتى يرد الله غربتها سنحاول أن نكتب هنا رؤيتنا حول هذا الديوان .
نلاحظ أن الشاعر ضمّن هذا الديوان قصيدتين كتبهما في سبعينيات القرن الماضي وهما : ( حظك هذا الأسبوع ) و( قطرات من دم الحسين ) ، ومن ثمانينيات القرن الفائت أيضا جاءت قصائد : ( خيط الوهم ) ، ( محاورة وجه لا يغيب ) ، ( العودة ) ويلحظ القارئ أن قصيدتيّ السبعينيات تعكسان الهم الوطني والقومي ، المحلي والعالمي ، إذ هي فترة التحولات التي شهدت انتكاسات جيل أُجهضت أحلامه ومعاهدة السلام المزعومة وتفرق وتمزق عربي وإسلامي وثورة شيعية وحرب إيرانية عراقية وعربدة أولاد القردة بعد أن حيدت مصر أو جعلتها تستسلم وتسلم ، كما عكست قصائد الثمانينات هجرات المصريين بعد أن ضاقت بهم سُبل الرزق والمعيشة في وطنهم ، فبرحوا الديار إلى الصحراء تاركين الوادي الأخضر أو الذي كان أخضرا ، وتتوالى بعد ذلك القصائد التي تعكس هموم الذات | ذات الشاعر ، وذات الجماعة ، حيث يزداد الوضع في مصر سوءا ويزداد قتامة ، وينسحب هذا على الأمة العربية والإسلامية ، ونصير في ذيل قائمة الأمم ، بعد أن تعرضنا للتغريب والتهميش ، وتضيع بغداد !!! وهي النهاية المأساوية التي أفقدت الشاعر توازنه تماما .
إذن شاعرنا لم ينفصل عن الجماعة ولم يجنح إلى التغريب والإنعكاف على الذات وحدها يمتح منها ، كما فعل غيره ، بل تماهى مع هموم الوطن ومشاكل الأمة ، يعي تماما في كل الأحوال دور الشاعر ، ووظيفته ، ووظيفة الشعر .
وسأتناول الديوان في هذه العجالة من خلال محورين :
المحور الأول : المرأة
وقد تناولها الشاعر على مستويين
1- المرأة على مستوى الواقع
2- المرأة على مستوى الحلم
المحور الثاني : البُعد السياسي وعلاقة المثقف بالسلطة.
أولا : المرأة
1 – المرأة على مستوى الواقع :
عبرت قصيدة ( خيط الوهم ) عن المرأة على المستوى الواقعي أفضل تعبير ، ترك الشاعر لها الحديث لتعبر ، عبر أكثر من ثلاثة صفحات ، عن أوجاعها ، وأحزانها ، وهذه المساحة التي تركها لها الشاعر للحديث وآثر هو الصمت ، تؤكد أن شاعرنا تقدميا ، يؤمن بحرية المرأة ودورها ، ويؤمن بالحرية كقيمة عليا ، فعلا وسلوكا وممارسة لا قولا أجوف وطنطنة فارغة ، وجعل المرأة تمارس هذه الحرية ، وقلما نجد شاعرا من شعراء العرب يعطي للمرأة هذه المساحة للتعبير ، ويُؤثر هو الصمت لتفضفض هي ، وتعبر عن كل ما يجيش بصدرها .
بروز صوت المرأة هنا ، واحتلالها لهذه المساحة ، وخفوت صوت الشاعر أو اختفاءه ، قدم لنا نصا مغايرا ، كشف عن هموم المرأة ومشاكلها حينما يغادرها زوجها ، تاركا لها إرثا ضخما من المعاناة النفسية والمكابدات المادية ، ومجابهتها وحدها الحياة مع أولاد تخلى عنهم أباهم ، متعلقا بسارية الوهم ، كما جاء على لسان الزوجة ، قد يكون وهم الثروة أو غيرها ، فالفضاءات هنا واسعة للتخيل .
وهذا النص ، أعتبره نصا استثنائيا في ظل النصوص الذكورية التي أبدعها الشعراء العرب ، ولم يعطوا للمرأة ولو سنتيمترات قليلة من حقها لتعبر عن نفسها ، وتمارس فعلا حرية هذا التعبير ، عن أحزانها ، وأوجاعها ، ولكن الشعراء يستلبون منها هذا الحق ، ويُنصبون أنفسهم أوصياء عليها ، وينوبون هم في التعبير عنها ، وكأنها لم تزل طفلة ، لم تبلغ سن الرشد بعد ! وكأنها بحاجة دائما إلى من يعبرون عنها ، فيقومون هم بهذا الدور ، ويمارسون ديكتاتورية الخطاب ، ونلاحظ دائما أن سلبية الخطاب للمرأة هو المهيمن على النصوص التي يبدعها الذكور ، وفي هذا النص نجد الشاعر قد أعطاها الحرية ، ومنحها الحق في التعبير عن نفسها ، ولم ينادي الشاعر بالحرية قولا ، ولكنه قولا وفعلا كما قلت وسلوكا وممارسة ، ويجعل هذه المرأة تمارس الحرية في هذه القصيدة وغيرها فعلا بلغتها هي ، وبأحاسيسها هي ، وبمشاعرها هي ، وهذا تصرف فني جديد ، واستخدم مفردات ولغة ( أنثوية ) إذا جاز هذا التعبير ، ولم يكن هناك من أثر لمفردة ذكورية ، كما هو شائع في نصوص الشعراء العرب ، حيث نجد المرأة في معظم النصوص العربية تتحدث بلغة ذكورية .
والشاعر قدم لنا في هذا النص ، امرأة من لحم ودم ، طالعة من رحم هذه الأرض ، ومن طين هذا الوطن ، وجاءت اللغة بسيطة ، بساطة هذه المرأة ، التي تحمل تراث وموروثات المرأة المصرية عبر آلاف السنين ، جاءت اللغة واقعية ، معبرة عن واقع هذه المرأة :
( مع أولادك أتعذب | من سنة لا أحسبها من عمري )
( سنة كاملة .. لم تشعرني أني زوجُك )
( من حفيت قدماك قديما .. كي تتزوجها ..! )
(عشت بحضنك أجمل أيامي ! )
هذه اللغة الشعبية التي تتواتر على ألسنة المرأة في مصر والتي قام الشاعر بتفصيحها ، ناسجا منها لغة فنية راقية في حواريته الجميلة ، وتلك المرأة التي تمارس حرية الخطاب في هذه الحوارية ، وتعود بنا إلى فطرتها وموروثها الشعبي ، هذا الموروث متناثرا في كلماتها :
( أرض عاقر – كلماتك كالأحجار – وجه الاعصار – يجرفك التيار .... إلخ )
وتتماس مع الموروث الديني الشعبي :
( عشت حياة قاسية لم تطرقها كفُّ الوعد !)
( إني امرأة لا يأتيها السعد
.. فمتى تُسعدُني يارب ! )
مثل هذه المرأة ، التي مارست حرية الخطاب ، تثير قضاياها ، وهمومها الحياتية بذكاء أنثوي نادر ، فالزوج غادرها إلى بلاد الغربة ، ويبدو أنه استطاب له المقام هناك ، وتريد أن تستعيده إلى حضنها وحضن الوطن .
تحدثه عن هموم الأولاد وعذاباتها معهم :
( مع أولادك أتعذبُ )
ثم عن احتياجها له فتذكره :
( سنة كاملة .. لم تُشعرني أني زوجُك
زوجُك تلك المحبوبة
من حفيت قدماك قديما .. كي تتزوجها ! )
وهي تمهد له بذكاء أنثوي فريد ، وتدخل له من زوايا عديدة ومتعددة ، من زاوية الحب القديم مرة ، ومن زاوية الأولاد مرة ، ولم تعدم الحيل والوسائل .
وهي تحاوره تقول :
( أنني أحببتك ذات صباح أخضر !
عشت بحضنك أجمل أيامي ! )
إذ تذكره بحبها له ، وأنها عاشت في حضنه أجمل أيامها ، فإن ذلك تمهيدا لعتابها له :
( لكني إذ أبصرتُك تبعدُ عني
قلتُ : غدا سيعود ! )
إذن هي لا تفقد الأمل في عودته ، بل تؤكد هذا الأمل :
( قد يهطلُ ذاك المطرُ الغائب – عنا – ذات صباح ! )
لاحظ أنها أحيانا تتحدث بصيغة المفرد ، وأحيانا أُخر بصيغة الجمع ، وحينما تتحدث بصيغة المفرد يكون هذا لسان حالها هي ، وعندما تتحدث بصيغة الجمع يكون لسان حالها وحال الأولاد معا ، والذكاء في استعمال مفردتي ( عني – وعنا ) تقول بصيغة المفرد :
( لكني أبصرتُك تبعد عني )
وكأنها أرادت أن تقول أنه لو كان هناك بُعد ، فعنها ، وليس عن الأولاد ، وتدخر الأولاد وتستعملهم في الوقت المناسب ، فإذا كانت العلاقات الزوجية تمر بأوقات فتور ، يمل الزوج فيها الزوجه ، فعلى الزوجة العاقلة أن تحاول أن تعيد المياه إلى مجاريها كما يقول المثل ، والزوج غادر الزوجة والديار والأولاد إلى بلاد الغربة متعلقا بسارية الوهم كما تقول الزوجة ، قد يكون وهم الثروة ، وقد يكون الهروب منها أو .. أو .. وتسلم بأنه إذا كان هناك سبب للبُعد فعنها ومنها إذا دعت الحاجة واقتضت الضرورة ، أما الأولاد لا يمكن أن تغادرهم وتبعد عنهم في اصرار ، فتقول بصيغة الجمع :
( قد يهطلُ المطرُ الغائبُ – عنا – ذات صباح ! )
إذن قد يجئ الزوج المهاجر ، إن لم يكن من أجلها ، فمن أجل الأولاد ، أو من أجلها هي والأولاد معا ، وكأن لسان حالها يقول :
إذا لم تكن عودتك من أجل خاطري فمن أجل خاطر الأولاد !
وتتساءل ببراءة :
( أأنا واهمة في ظني ؟ )
وتحاول أن تعاتبه مرة أخرى :
( ولماذا كلماتك متباعدة ؟
ولماذا لم تطلبني في الهاتف أبدا
تخبرني عن أحوالك ؟
تسأل عن حال الأولاد ، الجيران ، العمة ؟ )
وهنا تذكر الأولاد صراحة ، بل تتوسل له بكل من يحبهم : الأولاد ، الجيران ، العمة .
وتسرد جوانب مهمة ومؤثرة من حياتهما الماضية معا :
( كانت كلماتُك تدميني في السنوات الخمس الأولى :
-إنك أرض عاقر ..
لا تُنبت ُزهرا بين يديا !
كانت كلماتُك كالأحجار ؟
لكني لم أطلب منك
ها قد منّ الله علينا .. بالإثمار
ها قد أعطانا الله ثلاثة أولاد )
وإذا كان الله قد منّ عليهم بنعمة الإنجاب ، بعد عقم دام لسنوات ، فإن هذا أولى بأن يكون بجانبهم ولا يغادرهم أبدا
( فلماذا تذهب للصحراء وتتركهم
في وجه الإعصار ؟ )
وهكذا تسير حوارية ( خيط الوهم ) ، يعلو الحوار ويهبط حسب مقتضى الحال ، وقد أمسكت هذه المرأة بتلابيب الحوار ، ولم تدعه يفلت منها ، وأدارته بذكاء ومهارة ، وكشفت من خلاله عن الكثير من مجاهل النفس وخبايا الروح ، وكشفت أيضا عن واقع معيش ، دون طنطنة أو زعيق .
2 – المرأة على مستوى الحلم :
وتظل المرأة | الحلم تطارد الشاعر ، وهي حلم مراوغ ، يحاول الإمساك به ، والقبض عليه ، والمرأة | الحلم في ظني ، هي التي تفجر الشعر عنده ، بل هي أحيانا القصيدة نفسها .
فالشاعر يبحث عنها ، تارة في بثينة ، وتارة أخرى في ليلى ، وتارة ثالثة في عبلة ، وغيرهن ، وهذه المرأة مفتقدة في هذا العصر ، فليلى مثلا هي التي صنعت لخياله جناحا وجعلته يحلق ، ويحلم :
( كنت التي صنعت للخيال جناحا
فطار
يرافقنا في المساء الحنين
فنحلم )
وهو يبحث عن عالم البكارة الأول :
( تعالي إلى عالم لم تفض السنون بكارته )
ويقول :
( تجيئين مثل الفراشة ،
همسُك ظل يؤرقني بالحكايا القديمة )
ويقول أيضا :
( أنت اخضرار الربيع
الذي في الرؤى .. )
و :
( وأنت .. أيا عبلُ الطريقُ
فغادري..
جنوحك..
هيا طيبي لي جراحيا !
تعالي إلى الدرب القديم
مرزأ
فكوني شفائي
لا يطول انتظاريا )
إذن ثمة امرأة | حلم ، يبحث عنها الشاعر ، لا وجود لها على أرض الواقع ، فراح يبحث عنها في بثن وعبل وليلى وأخريات ، لتفجر فيه القصيدة ، والمرأة التي يبحث عنها الشاعر ، امرأة كونية ، تحل في الفراشات ، وفي اخضرار الربيع ، تسع أحلامه ، أحزانه ، أفراحه ، تطبب جراحه ، تثير الخيال ، بل تصنع له جناحا ، بدونها لاتحليق ، ويظل العصفور كسيحا ، وعصفورنا | شاعرنا يريد أن يحلق حتى يأتي الشعر ، وهي الخيال وهي ينبوع الشعر ووحيه والهامه .
ثانيا : البُعد السياسي وعلاقة المثقف بالسلطة .
السياسة تطل بمخالبها في قصائد شاعرنا ، لتلقي عليها مسحة من الحزن ، فحظ الشاعر التعس أنه جاء في زمن الانتكاسات والنكسات والانكسارات . زمن ضنين ، زمن ( مسيلمة الكذاب ) الذي يعلن في خطبته الأخيرة للأتباع : ( سأظلُّ في ليلي البهيم أقاومُ النور الجسور )
ففي هذا الزمن ( النكد المستريب ) بتعبير الشاعر ، كل الحكام فيه ( مسيلمة الكذاب ) ، لا يطيقون الضياء ، ويقاومون النور الجسور بجسارة ، ففي زمن كهذا :
( كيف تطل العصافير ..
كيف يجيئ الكلام الجميل )
إذن السياسة تلقي بظلالها الكئيب على الشاعر فنراه نكدا حزينا ممرورا .وشاعرنا لا ينسى أنه من أمة ، ذات حضارة عريقة وتاريخ ممتد ، وعبر هذا التاريخ الممتد والتراث العريض ، يمضي ويسافر وينقب ، باحثا عن حلول لما نحن فيه ، فيستدعي شخوصا من هذا الزمن أو ذاك ، ويتماهى مع هذه الشخصية أو تلك ، ويحل فيها ، ويظل الواقع أعنف ، وأقسى ، وأمر ، فالشخصيات التراثية التي استرفدها من التراث عجزت عن التعامل مع هذا الواقع وفشلت في التحاور معه وتقديم الحلول له .
وشاعرنا يملك ذكاءا حادا وأسلوبا فريدا – في توظيف الشخصية التراثية ، ولننظر كيف وظف شخصية زرقاء اليمامة في نهاية قصيدته ( حظك هذا الأسبوع ) وهي أطول قصائد الديوان ( ثمان صفحات تقريبا ) . حينما يذكر الشاعر اسم شخصية تراثية ، فإن الشخصية تلقي بظلالها الثقافية والتاريخية على المتلقي ، فعندما يذكر الشاعر بثينة مثلا فالقارئ | المتلقي يستدعي في ذهنه جميلا أيضا وقصة غرامه مع بثينة ، وعندما يذكر عنترة يستدعي القارئ | المتلقي عبلة وقبيلة عبس ونضال عنترة في سبيل الحب والحرية .
وعندما يذكر المتنبي – لا يأتي -المتنبي _ الشاعر النبي وحده ، بل يطل علينا العصر العباسي بأكمله ، وعندما يذكر الشاعر قيسا أو ليلى فيتداعى إلى ذهن القارئ الحب العذري وزمن البراءة وعندما يذكر الشاعر الحسين فتتداعى إلى أذهاننا قصة حياة وكفاح هذا الشهيد سبط الرسول صلى الله عليه وسلم أو يذكر الشاعر زرقاء اليمامة أو سبأ ، أو غيرها من الشخصيات التي يستدعيها الشاعر من التراث ، وشاعرنا ذهب إلى عصور متباينة ومتعددة ومختلفة في محاولة جادة منه لاستدعاء شخصية من هذا العصر أو ذاك لإيجاد حلول لهموم ومشاكل هذا العصر التي استعصت على الحل ، ترى هل تنجح هذه الشخصيات في إيجاد الحلول لنا ؟
فلننظر إليه كيف وظف زرقاء اليمامة في مطولته الشعرية ( حظك هذا الأسبوع ) فيقول :
(ومدينتك الليلة .. تنتظر رحيل الزرقاء
سملوا عينيها في الفجر
وغنوا سعداء :
لا نحتاجك يازرقاء ، فليس لنا أعداء )
فعندما يسملوا عيني زرقاء اليمامة ، ويشيعوها فرحين في الفجر ، فإنهم بذلك يقتلون رمزا – ومعلما مهما على الاستبصار والنبوءة ، يقتلون رمزا – دالا – على انقاذ العباد والبلاد من الأعداء ، ولكنهم يعلنون :
( لا نحتاجك يازرقاء ، فليس لنا أعداء )
فمسيلمة الكذاب وكلهم مسيلمة ، يقتلون الحقيقة ويمارسون القهر ويغيبون الشعوب ، ومطولة شاعرنا ( حظك هذا الأسبوع ) تعري حكام هذا الزمان وأفعالهم المزرية وتكشف أيضا زيف مثقف هذا الزمان الذي ينضوي تحت عباءة السلطة ، وأصبح بوقا للسلطة من أجل منصب أو جاه أو حفنة مال . ويظل الشاعر وحيدا خارج الصف ، خارج السرب :
( لم أهمس للغيلان
ولم أمش بموكب تلك الدببة
لأبيض وجه الأيام الحالكة السوداء !!
لم أمش بركب الخونة ، لأغني ذاك الليل ..
لم أكتب أحجية للصمت أو القهر
لم أشرب دم أصحابي . ذات مساء
أو أطعنهم في الظهر !! )
وعلاقة المثقف بالسلطة يثيرها الشاعر في أكثر من موضع في قصائد هذا الديوان وهذه إشكالية سنفرد لها مبحثا مستقلا في وقت لاحق .
اختار شاعرنا أن يكون مناوئا للسلطة التي يمثلها مسيلمة الكذاب ، اختار الشاعر الشعب وصفوف الفقراء ليكون ضميرهم ، وحين عبر عن البسطاء كان بسيطا مثلهم ، مستخدما لغتهم ، لم يتعال عليهم ، انظر إليه وهو يعبر عن حال المواطن البسيط الموظف والمثقف الذي يعاني قسوة الحياة وشظف الأيام ، انظر إلى شاعرنا وهو يعبر عن هذا النموذج قبل أن يجرفه التيار ويتحول :
( في هذا الحر الضاغط والمثقل
في الصالة تجلس زوجتك الصفراء
ترتقُ جوربها المقطوع ،
تشرب كوبا من شاي بارد
سقطت فيه ذبابة
لا تحلم هذا الأسبوع
بزيادة راتبك المقطوع
فاعبد ربك وتيقن أن الله الرزاق
وتوكل ! )
في هذا المقطع يقدم لنا معاناة الموظف والمثقف ، واستخدم مفردات ولغة هذا الموظف المثقف البسيط ، وهو ما نسميه في القصة لغة الشخصية ، وهي لغة واقعية ولكنها فنية وتشع بالجمال ، فالشاعر يرسم لنا صورة ، صورة الشخصية ، وفي سبيل رسمها حشد الشاعر جُملة كبيرة من الأمثال والحكم والمواعظ والكلمات التي تتناثر على ألسنة العامة وقام بتفصيحها وترصيع القصيدة بها وأصبحت من نسيج القصيدة .
مثل : ( امش جنب الحائط )
( لا تتكلم فيما لا يعنيك )
( أنت عبرت الخط الفاصل بين الفقر وهطول الأمطار )
( فسيأتيك المالُ لعتبة بيتك )
( لا تبدو بارقة في الأعين )
( احمد ربك )
( واحصد ما زرعته الكفان )
... في زمن ( مسيلمة الكذاب ) الذي استباحوا فيه الوطن والعرض ، وشيعوا زرقاء اليمامة في الفجر وهم يغنون ، تضيع بغداد ، ويجيئ المتنبي ليشرب القهوة في فندق الرشيد ، أو بالأحرى يأتي حسين علي محمد ليشرب القهوة سادة في فندق الرشيد ورمز القهوة السادة غير خاف على القارئ
( تجلس في أبهاء الفندق
تشرب قهوتك المُرة )
ويسأل الشاعر :
( قل لي ..
من أين يجئُ الشعر الفاجعُ
في هذا الليل الخانع
بالعزم الجبار؟!
هل مازال الوهم يراود قلبك
عن ظل طريق يمتدُّ من القاهرة إلى بغداد )
والقضايا التي يثيرها الديوان كثيرة ، والشاعر لا يقف عند حدود الرصد ، ولكنه رغم عتمة الواقع وضبابية الأيام ، ثمة أمل يلوح ، في ( صهيل قادم ) : ( ها أنت يا قمري تستفيقُ
ويبدأ فجرك يغمرني
في زحام الخواطر .. بالفتح
يُطمعني في رحيق الصهيل )
لاحظ مدلول لفظة الصهيل ووقعها في النفس العربية ، حينما ترتبط بالفتح ، والفتح مرتبط بالحصان ، وهي لحظة إشراقة مستوحاة من التراث والتاريخ ، تحيلنا إلى الفتح العربي والاسلامي المبين ، تحيلنا إلى أمجاد وحضارة صنعناها في زمن الحصان العربي الأصيل .
والشاعر يقدم لنا صورا مكثفة تعج بالصوت والحركة وتأمل المقطع السابق وهذه الصورة المشرقة : القمر يستفيق من غفلة أو نعاس وهو رمز ، والفجر يغمر الشاعر أو الوطن بالضياء ، إيذانا بطلوع نهار جديد عليه وعلى الوطن والأمة ، نهارا ينبثق من ظلام طال ، والصوت في صهيل ، والحركة والفعل في فتح ، وهكذا تأتي صور الشاعر ، وفي ( ليلى .. لا تجدد أحزان قيس ).
تأمل هذه الصورة وما فيها من أصوات وحركة أيضا :
( على شاطئ الوجد ، هذي بحيرة نأيي تثغو ،
كمثل الشياة الصغيرة )
ويمتلأ الديوان بمثل هذه الصور الجديدة والمبتكرة ، وعلى الباحثين عن الصور الجديدة والمبتكرة وغير المستهلكة بقراءة قصائد هذا الديوان وغيره من دواويين شاعرنا الكبير.
وإذا كنا قد نوهنا إلى ملمح الحزن ، حيث يبدو الشاعر حزينا ، وكل شاعر ومثقف حقيقي حزين ، وهذا الحزن ينعكس على القصائد ، فتأتي حزينة ، وتعج بمفردات الحزن ، والأمثلة والشواهد كثيرة في هذا الديوان .
وملمح آخر وهو : الموت
فالموت ومفرداته متناثرا أيضا في قصائد الديوان ، بل إن القصيدة التي استهل بها الديوان ( فتنة ) يطل الموت منها :
( لم أنتبه للموت القادم في أحذية صراخ أجوف
يغتصب نهارا لم يأت إلينا مجانا )
لاحظ قوة الصورة واغتصاب الموت للنهار | العمر ، العمر الذي ضاع في صراخ أجوف
ويبدو أن بثينة هنا هي الدنيا التي فتنته .
( مفتتنا بغناء بثينة ، أمضي
أحمل أمتعة ، وطقوس سفر )
فهي الدنيا التي تفتننا ونسير وراءها وتسحبنا كالنداهة ونحن مغيبون ، وغالبا لا نكتشف الحقيقة إلا في نهاية العمر وقد لا نكتشفها ونظل مغيبون ، ولكن شاعرنا في لحظة صدق نادرة يقبض على الحقيقة :
( شعري ضاع بمعزوفات أصابعها
والأمراءُ ، الكتبةُ ، ساقوا أمواج نفايات القول
إلى مزبلة الكتب المحفوظة للزينة )
وبثينة هنا تأخذ رمز مركب ، أو هي رمزا داخل الرمز ، فهي على مستوى الرمز القريب | بثينة التراثية وعلى مستوى الرمز البعيد هي الدنيا ، وهو يتقوى ببثن | الرمز القريب في مواجهة الموت ومواجهة الموت عند الشاعر في أحايين أخرى بالشعر والغناء ، ولكنه يتقوى ببثن :
( تعالي يابثنُ بأخضرك المتهدل –
بين الليلة والبدء نحاصرُ
هذا الموت المتغطرس ! )
وسوف نستكمل قراءتنا لإبداعات الدكتور حسين علي محمد في هذا الديوان وغيره بإذن الله في أيامنا المقبلة . ونرجو أن نكون عند حُسن الظن وعلى مستوى الثقة ومن الله التوفيق.


















الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:10 pm

"أقم العدل لرب العدل
" هكذا خاطب الفلاح الفصيح الوزير الأول.
بقلم / شريف صالح
فلاحنا الفصيح كان ويكون وسيكون مضطراً إلى الخروج.. الخروج من القرية إلى المدينة.. من الجهل إلى العلم.. من الوطن إلى الغربة.
فلاحنا الفصيح كان ويكون وسيكون محنياً قليلاً لثقل الأمانة التي يحملها على ظهره: الإيمان الفطري، طلب العدل، والتمسك بالأرض.
وعندما يتعرض لمظلمة من مدير بيت الفرعون ووزيره الأول وصاحب الضيعة لن يكون مشغولاً بهاجس الذات ماذا ربحت ماذا خسرت.. لأن جده الأول لم يطرح قضيته قط كخلاف شخصي يحله التراضي، بل كفلسفة بِكر حول العدالة معنى وقيمة:
"أقم العدل لرب العدل"
نعم هو فلاح لكنه صاحب كلمة يقولها بالتي هي أحسن في وجه أي كان.. بأقصى درجات الاحترام وضبط النفس وليس بالبذاءة ورفع السلاح، فغايته النبيلة تبرر وسيلته النبيلة.
فلاحنا الفصيح لا يعرف إلا أن يزرع ثم يصبر على الثمار مهما طال الزمن. حتى وإن هلك الحصاد ألف مرة يعاود الزرع بعزيمة أشد.
قد يتهكمون عليه في صورهم السينمائية والتلفزيونية هزلاً ومبالغة، و سأضحك مثل غيري على صورته وهو يتفل على إبهامه كي يبصم في ورقة السلطة، ثم لن أبالي. لأنني أدرك أن للفلاح المصري وجهاً آخر، فهو وريث هذا الفلاح الفصيح الذي عاش قبل أكثر من أربعة آلاف عام. هو الجندي المجهول الذي ينتصر بنبالة ويخسر بشرف، مع وعيه التام أن النياشين والأوسمة ستمنح لغيره.
رحالة كثر مروا به فرأوا النحافة والأنيميا والكد والشقاء، لكنهم لم يلتقطوا أمارات النجابة في وجهه ونكاته وحسه السياسي الساخر وصبره على جار السوء إلى أن يرحل أو تأتيه مصيبة تشيله.
فلاحنا الفصيح مجهول رغم أنه علم.. فقير لكنه أغلى من الذهب.. حكيم وإن لم يعرف أبجدية القراءة والكتابة.. يصلي لله بجوار زرعه وضرعه دون وساطة كاهن.
وعلى خطى فلاحنا الخالد، خرج د.حسين علي محمد من عمق الدلتا الخضراء.. من إحدى قرى الشرقية إلى قاهرة العلم والثقافة.. إلى دار العلوم أيقونة علي باشا مبارك. ثم واصل رحلة الخروج من الوطن إلى الغربة.
كأن الخروج قدره، كي يبقى مشدوداً بكل عنف الحنين إلى بقعته الأولى.. إلى النيل وشجرة التوت والجذور، إلى دورة النماء والحياة.
ومثلما بث الجد الأول كلمته في خطابات بليغة، قال د.حسين كلمته عدلاً وإبداعاً وعفة نفس. لم يمل من قولها ولم يبتذل الوسيلة.
حتماً أخفى آلاماً كثيرة، فلم يتوجع لأحد شاكياً غربة واغتراباً، ولا إنكار حقه في جوائز وأوسمة ونياشين.. فهكذا هم الفلاحون صامدون حتى آخر نفس قرب تراب الوطن.. رائحته وروحه.. ولا وقت لديهم لصعود منصات التتويج.
ثم أين يذهبون بطيبة قلوبهم إزاء مكر ابن المدينة والمتنكرين في جلود أبناء المدن؟ أولئك الذين يبتدعون الأوسمة كي يمنحوها لأنفسهم.. لتكريس جدارتهم على جدران مقابرهم.
فلاحنا الفصيح ليس منذوراً للضوء والشهرة، بل للفرح بنبتة القمح وشق النهر. وما بين غياب في الحروب ونضال صامت ضد الأمراض، لا يذهب فلاحونا الفصحاء إلى المستشفى للعلاج، فليس لديهم هذا الترف، بل يطلبون الراحة الأبدية على أسرة بيضاء. يستسلمون في لحظتهم السرية التي يختارونها بدقة، وهم بكامل عنفوانهم قبل أن يصيبهم عته الشيخوخة وآفة الاحتياج إلى مُعين.
بهذه الطريقة تقريباً ودعنا د.حسين علي محمد. فما بين مرضه الأخير ورحيله ليس سوى أيام معدودة! كأنه رأى في بلوغ الستين زمناً كافياً لتسليم راية النبل والكفاح إلى فلاح آخر. ما المبرر كي يستلقي طويلاً على فراش المرض ونحن نواسيه بثرثرات فارغة؟!
لقد زرع ما فيه الكفاية في أراض بكر.. أضاء على آخرين، وغرس مقالات وأشاع ثقافة وانتقى أخباراً وحصد محبة.. الآن يحق له أن يمضي هانئاً إلى قيلولته السعيدة، راضياً مرضياً.
ذهب مثالاً سامياً في إنكار الذات وطيبة القلب وعفة النفس. ومن تجاوز ذاته كان قادراً على أن يتجاوز علامات مرضه، فلم ينشغل أو يشغلنا بها.
مأساة فلاحنا الفصيح، إذا جاز أنها مأساة، أن روح النيل الدافق تتلبسه فيفيض إلى ما لا نهاية.. يعطي من يستحق ومن لا يستحق، دون أن ينتظر ثمناً من أحد.
لا يجف النيل ولا ينهزم أمام الزمن. وهكذا كان فلاحنا الفصيح يفعل الخير ويلقيه في النهر، ليقينه أن بذرة واحدة تكفي كي تزهر شجرة تفاح. وقد فعل د.حسين علي محمد خيراً كثيراً ألقاه في أنهار حياتنا.
فنم هادئاً يا أستاذي الجليل تحت ظلال ما غرست وما زرعت وما بذرت. ولا أقول لك وداعاً
بل سلاماً سلاماً
سلاماً فلاحنا الفصيح

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:12 pm

الدكتور / نادر أحمد عبد الخالق
يحاور الشاعر الكبير
حسين علي محمد
1- التجربة الشعورية تمر بمراحل متعددة داخل النفس حتى تتحول نصا أدبيا ينبض بالحياة .. ما قولك في ذلك؟ وماذا ترى في التجارب التي لا نرى فيها صاحبها واضحا؟
ـ تمر التجربة الشعورية في نفس الشاعر بمراحل ثلاث، هي: مرحلة التخلق وفيها يعيش الشاعر تجربة نفسية مؤثرة تستجيش قوى الخلق والإبداع عنده، ثم تجيء مرحلة التحقق من التجربة بأن يرى هل هي تجربة جديرة بالتسجيل في قصيدة جديدة وهل تتشابه مع تجربة شعرية أخرى (له أو لغيره)؟، وهل من الممكن أن يكتبها أم يتغاضى عنها ويتركها تموت غير مأسوف عليها؟، وفي النهاية تكون مرحلة (الكتابة أو الولادة ـ أو الإبداع).
وتؤثر المراحل السابقة على شكل النص ومورثاته (أي الملامح الوراثية فيه)، فمرحلة (التخلق) تترك بصمتها الوصفية على النص بتحديد غرضه، فنقول هذه قصيدة غزل إن كانت التجربة تصف علاقة المبدع بمحبوبة أثرت فيه، أو (رثاء) إذا كان يتناول في نصه رحيل عزيز عليه، أو (تأملية) إذا كان الشاعر يتفلسف فيها، ويُبرز رؤيته الفكرية ومشاعره التي يوظفها ليقول رؤيةً ما في الحياة والنفس والأشياء.
ومرحلة التحقق أو التأكد من مشاعر الإبداع تترك أثراً في البنية الفنية (الشكل)، فنقول هذه القصيدة يكرر الشاعر فيها نفسه، فقد قال مثل هذا القول ـ أو قدم مثل هذه الرؤية في قصيدة أخرى، وقد (يُعارض) قصيدة أخرى لشاعر آخر؛ فنرى انطباع (المُعارضة) على الشكل، وقد يجعلها حوارية، أو قصصية.
وكذلك مرحلة (الولادة والإبداع) التي تترك ملامحها في اللغة التي كُتب بها النص، فتبصر مدى الانحرافات اللغوية ودلالاتها، وهل هي تعبر عن رؤية للشاعر ممتدة في قصائده، أم ينفرد بها هذا النص.
أما التجارب التي لا نرى فيها صاحبها واضحا فقد يكون ذلك لعدم نضوج تجربته أو قصور فني في البناء والتعبير.
2-التجربة تنتج الصورة. هذا القول صحيح أم أن الصورة هي التي تنتج التجربة وكيف نفرق بينهما ؟
ـ أرى أن التجربة هي التي تنتج الصورة، وتطبعها بطابعها، فإذا كانت التجربة مكانية (كأن أكون قد كتبتُ قصيدة وأنا في القاهرة أو في صنعاء أو في بغداد أو في الرياض) فمن الملاحظ أن هذا المكان الذي عايشت فيه التجربة قبل (ولادة) القصيدة يترك أثره الثقافي واللغوي يؤثر في الصورة التي تمثل تجليا من تجليات التجربة.
3-المكان ينتج الصور، والتجارب تضفى على هذه الصور نشاطا من نفس الشاعر. هل يمكن أن ينطبق ذلك على تجربة الشاعر حسين على محمد؟
ـ يُمكن أن نلحظ ذلك في بعض القصائد التي يتجلى فيها المكان في النص ومن ثمار التجليات الصورة. ويُمكنني أن أدلل على ذلك بقصيدة كتبتُها بعد أسبوعيْن من عودتي من بغداد بعنوان «رماد»، فالحبيبة التي هنا ـ الأنثى ـ أو الرمز (المرأة / الحضارة العربية) ملتبسة بالموروث التاريخي والحضاري الذي رأيته وعشته في بغداد الحضارة والتاريخ، وهذا نص القصيدة:
رمـــــــاد
تغيبينَ بينَ مروجِ الضِّياءْ
فأسألُ عنكِ الغمامَ / اليمامَ /
الزهورَ / الربيعَ / النَّماءْ
وتأتينَ
تبتسمينَ
زهورُ "المدائنِ" تضحكُ
و"القادسيةُ" برقٌ بعيدٌ أضاءْ
وحِضناكِ كرْمٌ جنيُّ العطاءْ
أنصنعُ سُفْناً ويَمًّا
ونرقبُ برقاُ ونجمًا
فيُسْقِطُنا الأوجُ
يحملُنا الموْجُ
تدفعُنا الريحُ
تُغرقُنا أكؤسُ الشعراءِ ؟!
الزقازيق 17/5/1984
4-هل تختلف التجربة تبعا لاختلاف مراحل التعبير؟ وهل يتبع ذلك اختلاف في عملية التوظيف للصورة؟
ـ بالتأكيد؛ تختلف التجربة تبعا لاختلاف مراحل التعبير العمرية، كما أن قدرة الشاعر التعبيرية (ومنها توظيفه للصور) يختلف من نص إلى نص، ومن مرحلة عمرية إلى مرحلة عمريةٍ أخرى، ومن تجربة ثقافية ولغوية (تنمو مع نمو الشاعر ووفرة تجاربه وقراءاته) إلى تجربة أخرى. ومن ثم فإن القصيدة في التعبير الشعري للشاعر تختلف (تجربةً وصورة) من مرحلة إلى أخرى.
5-هل يستطيع الشاعر أن يمثل العالم من خلال ذاته المعبرة؟
ـ من خلال نصوصه المعبرة يستطيع بالتأكيد أن يُقدم لنا رؤيته الشعرية للعالم، وهل هو عالم ساكن أم يمور بالحركة، وهل هو راضٍ عنه أم يطمح إلى تغييره؟ وإذا فعل ذلك، قلنا: هذا شاعر لديه رؤية، أو فلسفة تطمح لتغيير العالم. وليس كل الشعراء بقادرين على ذلك. وإنما الشاعرُ / الشاعرُ، أو الشاعر الحقيقي، الذي يرى أن الغد سيكون أفضل، وأن العالم يطمح إلى التغيير، ليكون أكثر إنسانيةً، وأكثر جمالاً، وأقل قمعاً مما عليه الآن بفعل الظالمين والجبارين الأشرار.
6-ما الفرق بين التجربة في النص المنظوم والنص المنثور؟ أم ليس هناك فرق؟ أو بمعنى آخر: هل تختلف الصورة ويختلف توظيفها في النصوص الأدبية شعرا ونثرا؟
ـ بالتأكيد تختلف التجربة في النص المنظوم عن مثيلتها في النص المنثور ـ، فالنص المنظوم تراه كالطيف، من وراء سُتُر رقيقة وشفافة، وكأن النص الشعري يقول لك بخياله وصوره وتجربته: «أنا أعطيك مثل الحياة»، بينما النص النثري وإن توسّل بالصورة والخيال كأنه يريد أن يؤكد لنا: «أنا أعطيك الحياة». بمعنى أن النص الشعري يُعطينا صورة (مُتخيلة) من صور الحياة، بينما النص النثري يريد أن يجعل الحياة في قبضة أيدينا، حتى لو صوّرها لنا.
7- هل يمكن الوقوف على تجربة الشاعر الذاتية من خلال الصورة؟
ـ يمكننا أن نقف على تجربة الشاعر الذاتية من خلال الصور، وهل هي صور من الواقع أم هي صور من الذاكرة (الثقافية)، وهل عبر عنها تعبيراً حقيقيا أم تعبيراً صادف انحرافاً لغويا؟ وما دلالة هذا الانحراف في التعبير عن التجربة؟ وهل فيها تعالق نصي مع نصوصٍ أخرى له (أو لغيره)؟، وهل جعل ذلك التعالقُ النصي التعبيرَ عنده أكثر صدقاً؟ أم كان كالقلم والممحاة، يخط ويمحو، وما دلالة ذلك؟ وهل كل هذه التقانة (أو الصنعة) جعلت التجربة أكثر قرباً أم باعدت بيننا وبينها؟ وإذا كانت الأخيرة فلماذا يقصد أن نبتعد عن الإمساك بتجربته؟
وإن كان الإبداع في الفترة الأخيرة قد اقتربت فيه الحدود وزالت الفواصل.
8- هل تحتاج القصيدة القصيرة أو ذات المقطع الواحد إلى دقة وتكثيف وعمق أكثر من القصيدة الطويلة؟ ولماذا تلجأ إلى كتابتها؟ ولماذا يهملها النقد والتحليل؟
ـ نعم، تحتاج القصيدة القصيرة أو ذات المقطع الواحد إلى دقة وتكثيف وعمق أكثر من القصيدة الطويلة، وهي تمثل خبرة الحياة في بناء نصي مكثف يجعل المتلقي قادراً على الإحاطة به في يُسر وسهولة، دون الدخول في أبهاء عالم لغوي متسع، قد يشغل المتلقي بتفاصيله التي قد لا يكون مدرباً عليها، فيفقد القدرة على الإحساس بالنص ومُتابعته.
وألجأ إلى كتابتها ـ منذ فترة تمتد إلى ثلاثين عاماً ـ
ولم يهملها النقاد الذين كتبوا عن تجربتي، وأشير إلى ما كتبه الناقد الكبير الدكتور حامد أبو أحمد في دراسته الملحقة بديواني «غناء الأشياء» تحت عناون « » ، حيث قال:
«ظهر خلال عقد الثمانينيات نوع من القصائد أسميناه من قبل "قصيدة التوقيـع"([1])، وهي قصيـدة قصيرة موجهة نحو إبراز فكرة مكثفة مركَّزة ، وقد رصدْنا في ديوان "غناء الأشياء" ثمانية قصائد من هذا النوع هي: "العنكبوت"، و"امتحان"، و"الغـربان"، و"أفق آخر"، و"الخوف"، و"حد السأم"، و"تساؤل"، و"مشهـد العشب". وقد سبق أن مثلنا بقصيـدة "الغربان" في موضوع الحزن، والآن نمثل بقصيدة أخرى هي قصيدة "الخوف" التي تقول:
الحزْنُ الليْلةَ مجنونٌ
أيُقرِّرُ موْتي
فوق الأعشابِ المسكونةِ
ببلاغةِ صمْتي ؟
فهذه القصيدة كلها قائمة على سـؤال واحـد من أربعـة أبيات، والحُـزن فيها أيضا هو "التيمـة" الرئيسة، لكنـه يأتي ملتحما مع بلاغة الصمت الساكنة في الأعشاب، وكأن الشاعر يدفع حزنه الذي يريد موته بصمته البليغ فوق أرض مُعشبة .. هكذا يتقرر الموت، وتنهض الحيـاة في مواجهته، على غِرار معركة الإنسان المستمرة بين الموت والحياة. وفي قصيدة "العنكبوت" (وهي أيضاً من قصائد التوقيع) يتحصَّن الشاعر بالصمـت، ويبدو أنه ـ أي الصمت ـ أصبح الملاذ الأخير في زمن لم يعُدْ فيه للشاعر أي دور».
كما أشار الدكتور صابر عبد الدايم إلى هذه الظاهرة فقال في دراسته « الشاعر الدكتور حسين على محمد والطاقة الإبداعية» :
«القصائد "البرقيات" أو "الشظايا" أو "الشهب" أو "التوقيعات" .. وهى قصائد قصيرة جداً تحمل شحنة وجدانية رامزة مكيفة .. ويمكن أن تتعدد وجوه تأويلها .. ولها أكثر من قراءة .. وكل يفسرها حسب توجهه الثقافي والمذهبي، .. ومنها قصائد: الغربان - الخوف – مملكة الصمت – الوهم – قطط مائية – الجواد المكسور – وردة – الغزالة – وفى قصيدة "وردة" يقول:
هى وردة الفجر التى .. ألقت مباسمها إليك ولاتروح
ولكل لفظة نبضة .... ولكل فاتنة جموح
ولكل سهم برقة .. ولكل لاحظة جروح»
9- أيمكن أن تمتد الصورة لدراسة عناصر القصيدة وتصبح أسلوبا نقديا جديدا، مثلاً: الموضوع من خلال الصورة والإيقاع والتجربة كما أفعل الآن في قصائدكم أم ذلك مرهون بالتطبيق؟
ـ نعم، يمكن أن تمتد الصورة لدراسة عناصر القصيدة وتصبح أسلوبا نقديا جديداً، لكن ذلك منوط بالقدرة النقدية التي تستطيع أن تستخرج من الصورة ما يُساعدها على كشف كوامن التجربة، وهذا اتجاه نقدي جديد نرجو لك التوفيق فيه، وهو رهن بالقدرة على التطبيق، وأرجو لكم التوفيق في هذا المسعى.
10- من هو الشاعر المثقف ؟
ـ الشاعر المثقف هو الشاعر الذي يعيش عصره، واقعاً ونبضاً، وله رؤيته الخاصة في النظر للكون والحياة، ويرى ما في العالم من خلل، ويسعى إلى إصلاحه.
12- لماذا تكتب ولمن؟
ـ أكتب للبوح بمكنون نفسي، فحينما تجيء القصيدة يكون الخيار بين التعبير (الحياة)، والوأد (الجنون)، وتختار القصيدة الحياة، وتُمارس حياتها من خلال المتلقين الذين يصنعون حياتها المستقلة عن مبدعها!
13- هل عبرت عن ذاتك كما تحب في دواوينك العديدة التي مضت؟
ـ نعم، أظن ذلك.
14-ما السؤل الذي تحب أن يوجه لك بشأن تجربتك الإبداعية؟
ـ أنت سألت ما عبر عن نفسي تجاه تجربتي الإبداعية، فلك الشكر.
15-ما العمل الذي تتمنى أن تنجزه؟
ـ أتمنى أن أنجز ـ بحول الله ـ عدة مسرحيات شعرية أخرى، بجانب المسرحيات الثمانية التي أنجزتها: «الرجل الذي قال» و«الباحث عن النور»، و«سهرة مع عنترة»، و«البقرة» و«الفتى مهران 99»، و«بيت الأشباح»، و« الزلزال» و«الحسناء في سوق الرقيق».
16- ما رأيك في هذا الحوار؟
ـ أشكرك على هذا الحوار الجميل.
([1]) ناقشنا هذه الظاهرة بتفصيل أكثر في دراستنا عن ديوان "بستان عائشة" للشاعر عبد الوهاب البياتي، وهي منشورة ضمن كتابنـا: "عبد الوهاب البياتي في أسبانيا"، الدار العربية للدراسات والنشر، بيروت ، 1992م.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:14 pm

دكتور حسين على محمد :
تربيت فى بيت بسيط ؛ولم يكن فى بيتنا كتاب سوى القرآن .
كتب : إبراهيم محمد حمزة وسمير الفيل
ــ للشاعر الدكتور حسين على محمد حضور مميز على أكثر من مستوى ، فبجانب أنه أستاذ جامعى بكلية اللغة العربية بالرياض ، وبجانب عشرة دواوين شعريةوعدة مجموعات قصصية ومسرحيات ، فضلا عن كتاباته النقدية المتعددة ، له نحو عشرين كتاباً في الدراسات الأدبية منها «القرآن ونظرية الفن» و«البطل في المسرح الشعري المُعاصر» و«جماليات القصة القصيرة» و«التحرير الأدبي». فإن حضوره على شبكة المعلومات شديد التأثير ، واحتضانه للمواهب عبر سلسلته أصوات معاصرة يجعل سلسلته مصنع إنتاج مواهب لا يتوقف ، فى هذا الحوار يبدو دكتور حسين فلاحا أصيلا بسيطا مخلصا لترابه وقريته ..حوار من القلب
طفولة في أحضان قريتي :
*أيام الطفولة حافلة بروح النشاط؛ فهل تحدثنا عن طفولتك ومرعى صباك وأبرز الأنشطة التي كنت تمارسها في القرية؟
- كانت كأي طفولة لأبناء الفلاحين، اللعب والانطلاق من الصباح حتى يحين موعد النوم! .. هذا عن الطفولة المبكرة قبل الالتحاق بالكتاب لحفظ القرآن الكريم (الذي حفظت ما يقرب من نصفه)، ثم المدرسة الابتدائية.
لم تكن في القرية أنشطة ثابتة باستثناء لعب الكرة في شهور الصيف، ولا أذكر أني شاركتُ فيها، بل كنتُ أُمارس القراءة فيما أستعيره من كتب مكتبة المدرسة، قبل أن أكون مكتبتي الخاصة.
*مع هذه الرحلة الحافلة بالإبداعات المتنوعة من شعر وقصة ومسرحية ومقالات .. هل مازلت تتذكر كيف كانت البداية؟
حينما كنت في العاشرة من عمري ذهبتُ مع والدي إلى الطبيب في "الزقازيق" التي تبعد عن قريتنا نحو ثلاثين كيلو، وفي انتظار عودة الطبيب من المستشفى وجدتُ بعض المجلات، أخذتُ أُقلِّب فيها، فاكتشفتُ عالماً غير الذي أعرفه في الكتب المدرسية الرصينة التي يُدرِّسها لنا المعلمون، وكنتُ أتمنَّى ألا يجيء الطبيب حتى أقرأ المجلات جميعها، التي كانت تحوي صوراً لامعةً، وقصصاً طريفةً، وأخباراً أدخلتني عالماً جديداً.
خطوة في الطريق
في اليوم التالي بدأتُ أتنبّه إلى المكتبة التي في مدرستنا (مدرسة قريتنا "العصايد"، وهذا اسمها)، فوجدتُ فيها عشرات القصص لـ "كامل كيلاني"، وديوان "القروي"، وديوان "الماحي". وقد فهمت الكتب النثرية وتجاوبتُ معها، أما الشعر، فكنتُ أحس به إحساساً ممتزجاً بالغموض الذي يشف عما وراءه ، وقليلاً ما كنتُ أسأل أساتذتنا عن معنى كلمة.
شاعر القرية :
*كيف اكتشفت موهبتك الشعرية؟
-بعد عامين من القراءة المبكرة، اكتشفتُ أني شاعر حينما ألّفت بيتين من الشعر بعنوان "نسيم الفجر" أقول فيهما (من باب تمرين اللسان على القول، والتدريب على قول الشعر، فليست هناك "بثينة" على الإطلاق!)، وكان ذلك عام (1962م) وأنا في الصف السادس الابتدائي:
ألا يا نسيـــم الفجرِ بلِّغْ تحيَّتي بثيْنةَ واشْرحْ ما بقَــلْبي من الجَمْرِ
لعلَّ التي في القلْبِ تَــرْنو إلى فتىً يذوبُ هوىً في حبِّها وهْيَ لا تدري
وعرفني طلاب مدرسة قريتي الصغيرة باسم "الشاعر"، وهي الصفة التي أطلقت عليَّ حينما ذهبتُ إلى المدرسة الإعدادية في مدينة "ديرب نجم .
كان أبي تاجراً يقرأ بصعوبة، ولم يكن في بيتنا كتاب غير القرآن الكريم، وبعض الملاحم الشعبية مثل "سيرة عنترة"، وما أزال أتذكّر بعض صور الفرسان التي كانت معلقة في الدور الثاني (المقعد) من بيتنا الطيني.
وها أنا التحقتُ بمدرسة في مدينة تُباع فيها الجرائد والكتب. أخذت في تكوين مكتبتي شيئا فشيئا، وبدأتُ أرسل للمجلات التي فيها أبواب للقرّاء أشعاري القليلة التي أكتبها بين الحين والآخر.
بعد عامين من كتابتي الشعر ظهرت مجلة "الشعر" (في يناير 1964م برئاسة الدكتور عبد القادر القط) ووجدتُ أغلبها قصائد من شعر التفعيلة تختلفُ عن أشعار الماحي، وهاشم الرفاعي، والقروي، وكامل أمين، وصالح جودت، ومحمود حسن إسماعيل .. وغيرهم من الذين قرأتُ دواوينهم في مكتبة المدرسة الإعدادية، أو في مجلة "الرسالة" (التي عاودت الصدور 1963-1965م)، ومع ذلك فقد وجدتُ في هذا النوع من الشعر جمالاً، صادف هوىً في نفسي، فكتبتُ قصيدة بعنوان "زنجي مـن أمريـــكا" وقصيدة بعنـوان " رسالة من آنسة"، ونشرتُ الأولى في "صوت الشرقية" (1965م)، ونشرتُ الثانية بعد عامين في المجلة نفسها التي نشرت لي الكثير من أشعار البواكير. وهذه المجلة الإقليمية مازالت تصدر، وكان لها أثر كبير فيَّ وفي نخبة من أدباء جيلي من أبناء محافظة الشرقية.
,وحين أعلنت مجلة "صوت الشرقية" عام 1966م عن مسابقة للأدباء الشبان في الشعر والقصة القصيرة والزجل، وأعلنت أن لجنة التحكيم ستكون من الأساتذة: صالح جودت، وكمال النجمي، ومرسي جميل عزيز، وصلاح عبد الصبور.
كنتُ وقتها في السادسة عشرة، ولي عدد قليل من القصائد لا يتجاوز الخمس عشرة قصيدة، اخترتُ إحداها وعنوانها "أغنية إلى فلسطين"، وبعد عدة أشهر أُعلنت النتيجة فإذا بي (الأول) في الشعر!
لقد هزّني هذا الفوز، وأشعرني أنِّي أضع قدمي على الدرب، ومن الصَّعب التراجع، أو الانسحاب.
شُغلت بعد ذلك بتجويد أدواتي الإبداعية، ولم أشترك في مسابقات للشعر بعد ذلك إلا بعد أن أصبحتُ طالباً بجامعة القاهرة، حيثُ اشتركتُ في عدة مسابقات أثناء دراستي الجامعية (1968م-
الفن المحنط :
*ما هي أبرز المعوقات التي واجهتك خلال حياتك الأدبية؟
-عدم وجود مكتبة كبيرة في القرية، وبعدي عن العاصمة، فأعتمد على طابع البريد في إرسال نتاجي الأدبي للنشر.
*المسرحية الشعرية فن من الفنون .. فماذا كتبت فيه؟
-درستُ المسرح الشعري فرأيتُهُ في معظمه مسرحاً تاريخيا، ومن ثمّ فقد أردتُ تجريب قدراتي في كتابة المسرحية الشعرية، بعد أن قال لي أستاذاي الدكتوران السيد يعقوب بكر وأحمد الحوفي: "إن شعر التفعيلة يُمكن أن يجود في المسرح الشعري"، وإن كانا لا يعترفان بالمُنجز الغنائي في شعر التفعيلة الذي قدّمه جيل الروّاد: علي أحمد باكثير، وعبد الرحمن الشرقاوي، وصلاح عبد الصبور.
وقد كانت تجربتي الأولى مع المسرح الشعري عام 1975م، حيث كتبتُ مسرحية بعنوان "الرجل الذي قال"، وهي تتخذ شخوصها وأماكنها وأحداثها من الواقع المعيش، وقد تقدمتُ بها إلى مسابقة "مسرح الشباب" التي أقامتها وزارة الشباب والرياضة، ففازت بالجائزة الأولى لعام 1977م، وقد شجّعتني هذه التجربة، فكتبتُ بعدهـا أربــع مسرحيات شعريــة، هي: "الباحث عن النــور: أبو ذر الغفـاري" (1977م)، و"ملك وثيـران" (1984م)، و"بيت الأشبـــاح" (1988م)، و"مُحاكمـة عــــــــنترة" (1988م)، والزلزال (1992م.
ولم ألجأ إلى التاريخ إلا في مسرحيتين، الأولى: "الباحث عن النور: أبو ذر الغفاري" وهي مسرحية قصيرة في فصل واحد، والثانية: "بيت الأشباح" التي قدّمتُ فيها أحد ملوك الفراعنة تقديماً جديداً.
الإعلام والأدب
*من خلال اطلاعك هل أثرت وسائل الإعلام المسموعة والمرئية في الإقبال على الكتاب؟ وهل مازالت القصة والرواية المقروءة تحظى بنفس الاهتمام؟
-نعم، أثرت تأثيراً إيجابيا. وزاد الإقبال على الأعمال المتفوقة في القصة والرواية. والدليل على ذلك أني قرأت مؤخراً رواية طبعت عدة مرات في أعوام متتابعة.
*هل تعد المنتديات في الإنترنت متنفسا للأدباء؟ و ما حصيلتها الفعلية؟!
-لاشك بان المنتديات الأدبية على الإنترنت تعد متنفساً للأدباء الطالعين، وبعض الأدباء الراسخين، وحصيلتها الكثير من الإبداع المتفوق، وبعض الدراسات النقدية الجادة؛ لأن بعض ما ينشر في المنتديات ليست له قيمة حقيقية، يكتبه بعض "الهواة" الذين لا يمتلكون القدرة الأدبية واللغوية.
من النشر الورقي .. إلي عالم الإنترنت
*"أصوات معاصرة" سلسلة كتب أدبية وموقع على الإنترنت يعتبر انطلاقة قوية في عالم الأدب. فما الدافع وراء التأسيس؟ وما مميزات هذا الموقع أيضا؟
كنا نعرف معاناة الأدباء الشبان – منذ الستينات إلى السبعينات – وأن فرص النشر تضيق ، وأنها صارت أشبه " بثقب الإبرة "، ومن ثم فعلينا أن نشعل شمعة وحيدة صغيرة ، فهذا أفضل ألف مرة من سب الظلام!
فالعقبات التي واجهت بعض أبناء جيلي وبعض أبناء الأجيال الماضية في النشر كانت وراء التفكير في إصدار السلسلة، التي أصدرت حتى الآن (186) كتاباً في (27) سنة.
وبعد تجربة إشرافي على سلسلة " كتاب آتون " التي استمرت تسعة أشهر، قررت أن أصدر سلسلة بعنوان " أصوات "، وصدر العدد الأول في إبريل 1980م يحمل عنوان " أصوات " ، وتحته بخط أصغر منه " شعرية . فصلية . معاصرة".
وصدر العدد في 500 نسخة ؟، وعن طريق التوزيع اليدوي لأصدقاء في طنطا والزقازيق وبور سعيد وأسوان ومكتبة مدبولي بالقاهرة .. استطعنا أن نوزع أكثر مما كانت توزعه المؤسسة الصحفية التي كانت توزع لنا كتاب " آتون " . رغم أن دورية " أصوات معاصرة " صدرت لتكون كتابا فصليا للشعر، إلا أنها بعد أعداد قليلة أصدرت مجموعة من الدراسات.
بستان أدب النت:
في مطلع يوليو 2002م أسسنا موقعاً لنا على الإنترنت ، فيه قائمة إصداراتنا، وفيه قائمة لأدباء مصريين قاصين ومسرحيين وشعراء ولكل منهم عمل بدءاً من أحمد شوقي، وله في الموقع قصيدة " عمر المختار " مشروحة، وانتهاء بعبد الله مهدي وله نص مسرحي قصير بعنوان " الحلم ". وفي جديد الموقع ننشر كل شهر ثلاثة موضوعات جديدة، تنتقل بعدها إلى الأرشيف، ونأمل أن نصدر عملا كل شهر على الإنترنت بجانب إصداراتنا الورقية، فالإنترنت لغة العصر، ولابد لنا من أن نجيدها وإلا صرنا أميين في هذا العصر الذي صارت فيه بلدان العالم .. قرية كونية . فلقد أصبحت تجربة " أصوات معاصرة " بستاناً كثير القطوف، وما كان ذلك ليتم لولا النقاد والقراء الذين آزروا تجربتنا وشجعونا وتغاضوا عن هفواتنا.
حدث هزّني
*عملت منذ عام 1991م أستاذا مشاركا في كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.. ومشرفا على "أقلام واعدة" في مجلة "الأدب الإسلامي" فما الذي حققته؟
- سعدتُ بهذا العمل، فقد درستُ المئات من الطلاب والطالبات، وأشرفت على عدد من الرسائل وناقشت عدداً من رسائل الماجستير والدكتوراه.
كما أرى أن إسهاماتي في تحرير باب «أقلام واعدة» جزءٌ من دوري النقدي، فمن خلاله أتعرَّف على الأقلام الجيِّدة، وأدفع بها إلى الساحة مؤازراً لها بالكلمة النّاقدة، معرفا لها بالأخطاء الفنية التي عليها أن تتجاوزها حتى تكتب أدباً له قيمة.
وقد قدَّم هذا الباب على امتداد أكثر من عشرة أعوام من عمر المجلة شعراء وقصّاصين أصبحوا يُشكَّلون مشهداً من مشاهد اللوحة الأدبية الإسلامية المٌعاصرة.
تابوت الصمت
*هل تحول خصوصية الأديب الدينية والعقائدية بينه وبين ضروب الإبداع؟
-لا تحول خصوصية الأدب الدينية بينه وبين ضروب التفوق في المجال الإبداعي؛ فقصائد حسان بن ثابت وغيره من شعراء الدعوة كانت في قمة التفوق الإبداعي، وقصائد شوقي الدينية على مستوى عالٍ، ولا تقل عن قصائد الأخرى. وكذلك الإبداع الروائي والمسرحي عند علي أحمد باكثير، ونجيب الكيلاني في القصة القصيرة والرواية، وشعراء الدعوة والشعراء الإسلاميون في العصر الحديث ومنهم: محمد إقبال، وعلي الجارم، ومحمود غنيم،...وغيرهم، شعرهم على درجة كبيرة من الجودة، ولم تقلل العاطفة الدينية أو المضمون الإسلامي من مستوى ما يبدعون.
والقصص والروايات الفائزة في مسابقات رابطة الأدب الإسلامي على مستوى عالٍ من الجودة، وتؤيِّد ما أقول.
*ألا ترى أن أدبنا العربي الخالد لم يتم دراسة كثير من جوانبه بعدُ؟ وأننا أدخلناه تابوت الصمت,
وأغلقنا عليه بابه بِقُفْلٍ عنيدٍ؟! متأثرين بأقوالٍ هائمةٍ في فضاءِ الغربِ, تقذف أدبنا بالْعُقْمِ والتخلف؟!!
-درست معظم جوانب الأدب العربي في كتب بأقلام المتخصصين، أو في رسائل جامعية، وهو أدب خصب يُمارس دوره في الحياة، لكن نافسته بعض الفنون التي شدّت الجماهير إليها فلم يعد صاحب الدور الأول في الحياة.
الدكتور في سطور:
حسين علي محمد حسين.
-من مواليد قرية العصايد، مركز ديرب نجم، محافظة الشرقية، في 5/5/1950م.
-متزوج، وله أربعة أبناء وبنتان.
-حصل على الليسانس في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب-جامعة القاهرة عام 1972م.
-حصل على الماجستير من كلية دار العلوم-جامعة القاهرة عام 1986م عن رسالته "عدنان مردم بك شاعراً مسرحيا".
-حصل على الدكتوراه عام 1990م من كلية الآداب ببنها- جامعة الزقازيق عن رسالته "البطل في المسرحية الشعرية المعاصرة في مصر".

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:16 pm

تضاريس الفقد
شعر : حسين علي محمد

1- طفولة:
كانت "عبلةُ" في غبشِ الصبحِ تُطاردُني
تتمنَّى لوْ تغلبُني
تحلُمُ
أن تبصرَ نخلاً يثمرُ في الأرضِ القفْرِ

كانت في الصَّمتِ الوادعِ
تسقيني سُهْدي
بغناءٍ حُلوٍ يتقطَّرُ فيهِ العطْرْ
كانتْ تلهثُ ..
كيْ تقرِصَ أطرافي
تتسلَّلُ كيْ تتفقَّدَ كهفي
وحوائطُها الفضِّيَّةُ تزدانُ نهاراً
بقلاعٍ وقِبابٍ
ومساءً
بالصورِ الزيتيَّةِ
للأحصنةِ المنطلقةِ
ـ بينً تلالٍ وسهولٍ ـ للنهْرْ …
في الركنِ الأقصى
من داري المنزويةِ
في أطرافِ الغابةِ
منضدةٌ تعلوها أتربةُ …
وعليها عُشبُ الصَّبرْ

2-جملة معترضة:
دوَّت في الأُفقِ طبولُ الحربِ
و"عبلةُ" تغفو
في نومتِها الرَّعناءِ
(وتكشفُ عنْ ساقيْها ..
عنْ ثَغرٍ في الظَّلماءِ يُضيءُ)
تُنادي: بعدَ ثلاثينَ أتيتُ
وهذا التوتُ الأبيضُ في كفَّيَّ
رماحُكَ في قلبي
تُشرقُ في قلبي نافورةَ عشقٍ
تملأ ليلي بنجومٍ تتلألأُ في صحراءِ سمائي السوداءِ
تطارحُني الحبَّ،
تشاطرُني الحُلمَ
وعيناها الخضراوانِ كقِنديليْنِ
يُضيئانِ دهاليزَ الدَّربِ
(أكُنتُ أُدبِّجُ في الليلِ حُداءَ القافلةِ
وأحلُمُ يا "عبلةُ"؟)
تُشرقُ شمسُكِ
يرحلُ جيشُ دفاعِ الأعداءِ ..
وتسطعُ في أُفقي أقمارُ الشعرِ / بريقُ العُشبِ / أحاديثُ الليلِ / حنينُ النسوةِ / أوراقُ الحنَّاءِ / زلازلُ قلبي / أعنابُ اليمنِ / طيورُ النَّورسِ / تمْرُ الشامِ …
تضجُّ الذاكرةُ بأقدامِ العبرانياتِ، وأحلامِ الكنعانيَّاتِ، ومِلحُ المتوسِّطِ يُغرقُ سربَ فراشاتٍ .. عاشَ يُغنِّي ـ مثلَ عصافيرِ الجنةِ ـ للحبْ!


3-حديث مستطرد عن "عبلة":
طلعتْ "عبلةُ" من ثبَجِ البحرِ، كبدْرٍ غَسَّلَهُ البَرَدُ،
أنا يا "عبلةُ" من طرْحِ النهرِ،
وقريتُنا العاشقةُ بأطرافِ الدلتا تنتظرُكِ،
عشرةُ أميالٍ أقطعُها نحوكِ، وطريقي عبَّدَهُ خطوي فوقَ الصَّوَّانْ.
يا مُثمرةَ الوعدِ، تعاليْ لنفُكَّ قيودَ صبانا، نسكُنُ في حضنِ الريحِ، فصولُكِ تثمرُ باللوزِ وبالرُّمَّانْ.
تستيقظُ أفريقيا في أشعارِ الفيتوري، أسمعُ وقعَ خُطاها في الأرضِ المُبتلَّةِ، والعُشبِ، و"عبلةُ" تخرجُ وردتُها من شرنقةِ الحرمانْ.
قالت أمي:
-تلك من الغابةِ، ليستْ من قريتِنا
غانيةٌ تعبثُ في ساحتنا
اتركها وابعد عنها!
أمسكتُ صباحاً بتلابيبِكِ يا "عبلةُ"
وجهُكِ يغمرُني بفيوضِ الماءِ
وصوتُكِ يُشجيني
وحريقٌ يصهلُ في أعماقي
يصرُخُ في أضلاعي
يُغويني
بالقولِ الفتَّانْ
عيناها الخضراوانِ بحُلمِ الفجرِ يمورانْ
ـ أمُّك تبذرُ في الجرحِ الملحَ
وتستلقي في دائرةِ الوهمِ الأسيانْ
تخشى منْ عاصفةٍ أُخرى
أُمي تصرخُ:
-هذي وردةُ نارٍ، فابعد عنها بالحذَرِ الدَّاجنِ يا ولدي
وابعد عن فتنتِها
وليحفظْكَ الرحمنْ

4-أحزان الفارس:
أصبحْتَ أخيراً ـ يا فارسَها ـ في منصف الدهشةِ
ما عادتْ "عبلةُ" تأتيكَ ظهيرةَ أشواقِ الصيف
فتغضَّ الطرفِ كسيراً في خوفْ
عندَ تضاريسِ الفقْدِ تُغنِّي للريحِ الصَّرصرْ
وتسُدُّ البابَ كأنَّكَ لا تسمعُ،
يترقرقُ في كأس الظمآنِ الصبرُ
تُحدِّقُ في وجهِ الموتِ، فأُمُّك ترحلُ
(ستجيئُكَ في الحُلمِ .. فكيفَ ستنسى نظرتَها؟)
"عبلةُ" تنظرُ شوقاُ من خلفِ زجاجٍ يتداخلُ،
وتُجالسُ قطَّتَها
الغضبُ يُزمجرُ في وجهِ أبيكُ وأنتَ تُناورُ:
ـ ماذا ـ يا فالحُ ـ قالوا
في الصحفِ السوداءِ وأبواقِ العسكرْ؟
ـ سأُدافعُ عنْ وطني .. لا وطنَ العسكرْ
(تغضبُ أمي)
.. سأُجَنَّدُ وأُدافِعُ عن "عبلةُ"،
وأُجاهِدُ، وأُقاتِلُ .. حتى أُقتَلَ دونَ الفجرِ الأخضرْ

"عبلةُ" ما عادت تصنعُ من جمر الشوقِ رماحاً حمراً
تغرسُها في صدرِ العاشقِ، أوْ تتبخترْ
ـ "يفرجُها ربُّك"
.. ضقتُ بتوبيخِ الأمِّ مراراً ..
لنكوصي المتكرِّرْ

أقفُ على قارعةِ الحلمِ ..
أُحاولُ أنْ أُنشِدَ أُغنيتي الأولى !
(صمتٌ يملؤ أقطارَ الميدانِ، ويغتالُ الأحلامْ)
ـ ولماذا تتشاءمُ إنْ لمْ أنجحْ هذا العامْ؟
لا تقلقْ، سأُحاولُ هذا العامَ .. فإنْ لمْ أنجحْ فالعامَ القادمْ
زمَّ الشفتيْن، وغمغمَ في صوتٍ حازمْ:
ـ إنْ لم تنجحْ هذا العامَ قٌتِلنا بالسيفِ الصَّارِمْ!


5- زنابق للرحيل:

كانتْ ريحٌ في الأفْقِ تهُبُّ
وكان فضاءُ العالم يتفتَّحُ لزنابقِ عشقٍ تُولَدُ،
وقصيدةِ حبٍّ بيضاءَ ستسكنُ في ديوانِ الصمتِ الفاتنِ
كنتُ أخبُّ عل ظهرِ الفرسِ، ويلسعُني البردُ وأرمحُ،
أدفقُ في غاباتِ الجوْزِ، فترشحُ بالعطْرِ وباللهفةِ
.. تُدفئُني، فأُحادِثُ نفسي:
"عبلةُ" لمْ تجرؤ يوماً أن تسقيني ملحاً،
أوْ تستأْسِدُ
أو تتركُني كيْ يصرعَني يأسي
ظلَّتْ كالتفاحةِ ـ تقطرُ عطْراً
تقطرُ ضوءاً وبهاءً ـ
إذْ تجرعُ كأْسي

تحرقُها أنوارُ الصَّهْرِ .. تُحاصِرُ موسيقاها، معصمَها
ترتعشُ على حافَّةِ ليلٍ …
أُمطِرُ في الفجرِ ، وأترُكُ للعشبِ مسافاتٍ بيضاءَ
تُطرِّزُها "عبلةُ" بالعشقِ مليا،
وتُغني ـ كهديلِ حمامٍ
ينقرُ ذاكرتي في أوّلِ صحراءِ الرُّعبْ ـ
(هل يخلعُني في الليلِ القادِمِ جنرالاتُ الحربْ؟)



ثلاث قصص قصيرة جدا من التغريبة اليمانية
بقلم: د. حسين علي محمد

1-الرحلة الأولى
هذه هي رحلتي الأولى إلى قرية بني علي من قرى «الوصاب السافل».
السيارة تكاد تغرق في سيول زبيد ما بين "الجراحي" و"الأحد"!
هواء الليل البارد في منتصف سبتمبر يدير رأسي.. إلى كل ذبالة مصباح في القرى التي نمر عليها مُعلقة على قمم الجبال.
أرتدي نظارتي الطبية. أحدق بشدة.
لعلي ألمح ـ عبر رشات الندى ـ الذي يتسلل من النافذة
وجهاً نحيلاً، طيباً..
كوجه أمي.

الرياض 7/10/2004م
***
2-الباذنجانة السوداء

الباذنجانة السوداء
معلقة في يد الطفل الصغيرة
ويده الثانية
متشبثة بفستان أمه.
تمشي معتدلة كمهرة برية تتخطر
وتجري خُطاه الصغيرة، حتى يظل ممسكاً بذيلها!
تجري خطاه الصغيرة، وتجري
فلا يلتفت إلى الباذنجانة التي قضم منها قضمةً واحدةً، فحسب..
وهوتْ إلى الأرض مباغتةً
لا يُحس بها، ولا يلتفت إليها
تنتظرها النمال ـ التي لم تتناول إفطارها بعد ـ
في هذا الشِّعب المشمس، بين قريتيْن.

الرياض 7/10/2004م

***

3-حياة!

أجلس في غرفتي الملحقة بالمدرسة فوق السرير الذي أعدتُ ربط أركانه وقاعدته بحبال بلاستيكية اشتريتها من بقالة «محمد الصغير».
أطالع مجلة «اليوم السابع».. الموضوعات السياسية الساخنة أولاً، ثم السينما، ثم بقية الفنون.
ها هو يوم جليدي آخر.
درجة الحرارة لا تتعدى الصفر.
العنكبوت الممدد بين ضلفة الباب المعتمة، والركن .. يُخيل لي ـ مع التصدع الباقي من أثر الزلزال ـ أنه يُشبه خطيباً يصرخُ في الناس، وترتفع يداه كخطيب سياسي يُضاحك الجماهير!
أتنحنح..
لا أسمعُ إلا صوتي!!

الرياض 7/10/2004م



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
مجدي محمود جعفر
المشرف على الأقسام الأدبية
avatar

عدد المساهمات : 33
تاريخ التسجيل : 05/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي   الأربعاء سبتمبر 22, 2010 1:20 pm

قبس من سيرة الشاعر
حسين علي محمد حسين.
-من مواليد قرية العصايد، مركز ديرب نجم، محافظة الشرقية، في 5/5/1950م.
-متزوج، وله أربعة أبناء وبنتان.
-حصل على الليسانس في اللغة العربية وآدابها من كلية الآداب-جامعة القاهرة عام 1972م.
-حصل على الماجستير من كلية دار العلوم-جامعة القاهرة عام 1986م عن رسالته "عدنان مردم بك شاعراً مسرحيا".
-حصل على الدكتوراه عام 1990م من كلية الآداب ببنها-جامعة الزقازيق عن رسالته "البطل في المسرحية الشعرية المعاصرة في مصر".
-عمل في الفترة ما بين 1972-1990م في وزارة التربية والتعليم بمصر مدرساً في التعليم الإعدادي فالثانوي.
-أُعير للعمل بوزارة التعليم باليمن في الفترة ما بين 1985-1989م.
-يعمل منذ عام 1991م أستاذا مساعداً في قسم الأدب بكلية اللغة العربية بالرياض-جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
-رقي إلى درجة أستاذ مشارك عام 1997م.
-أشرف على عشر رسائل للماجستير والدكتوراه، كما شارك في مناقشة تسع رسائل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، والرئاسة العامة لتعليم البنات، وجامعة أم القرى.


أنشطة أدبية وثقافية:
-أسس سلسلة "كتابات الغد" مع الفنان التشكيلي الدكتور يوسف غراب عام 1976م، وأصدرت عشرة كتب مؤلفة ومترجمة منها اثنان للأطفال.
-أشرف في عامي 1979 ،1980م على "دار آتون للطبع والنشر بالقاهرة"، وأسس سلسلة "كتاب آتون" التي أصدرت تسعة كتب في الإبداع والنقد.
-أسس عام 1980م سلسلة كتب أدبية غير دورية بعنوان "أصوات معاصرة" التي أصدرت أكثر من مئتي كتابا وعمل لها موقعاً على الإنترنت في أول يوليو 2002م، و عنوانها هو:
http://www.aswat.4t.com/
-اشترك في تأسيس جمعية الإبداع الأدبي والفني بالزقازيق التي أصدرت مجلة "القافلة الجديدة"، وعمل مديرا عاما لها (1985-1986م).
-عضو اتحاد الكتاب بمصر.
-عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية بالهند.
-عضو رابطة الأدب الحديث.
-عضو مكتب البلاد العربية برابطة الأدب الإسلامي العالمية بالرياض (1993-1997م).
-عضو هيئة تحرير مجلة "الأدب الإسلامي" (من 1993م إلى أن توفاه الله.
-عمل مراسلاً لمجلة «المنتدى» الإماراتية من يناير 1994م إلى ديسمبر 2000م.
مؤتمرات وحلقات دراسية:

-شارك في مهرجانات الشعر بكلية اللغة العربية بالزقازيق (الأول 1982م، والثاني 1983م، والثالث 1984م، والرابع 1985م).
-شارك في مهرجان الشعر الأول بكلية الهندسة بالزقازيق 1984م، والثاني 1985م.
-مثل شعراء مصر في مهرجان الأمة الشعري الأول ببغداد (أبريل، مايو 1984م).
-شارك في مهرجان "الأدب والإعلام" في كلية الآداب-جامعة الزقازيق 1985م.
-شارك في مؤتمر أدباء الأقاليم بدمياط، يناير 1985م.
-شارك في مؤتمر أدباء الأقاليم ببور سعيد، مايو / يونيو 1991م.
-شارك ببحث عن زكي مبارك في الحلقة الدراسية التي أعدتها جامعة المنوفية مع الثقافة الجماهيرية (نوفمبر 1991م).
-رأس مؤتمر القصة القصيرة الأول بديرب نجم / أغسطس 2002م.

جوائز:

-كرَّمته اثنينية عبد المقصود خوجة في 1/11/1999م، وأُلقيت كلمات للأساتذة: عبد المقصود خوجة، ود. محمد بن سعد بن حسين، ود. حمد الدخيل، ود. صابر عبد الدايم.
-كرّمته وزارة الثقافة في مهرجان محافظة الشرقية الأدبي ـ أبريل 2002م.
-فازت قصيدته "حكايتي والحب" بالجائزة الثانية في مسابقة جامعة القاهرة للإبداع الأدبي ـ أكتوبر 1969م، وفازت قصته القصيرة "ثرثرة في المدرج" بالجائزة الثالثة في المسابقة نفسها.
-فاز بالجائزة الأولى في المسابقة التي نظمتها دار البحوث العلمية بالكويت (1976م) عن بحثه: "نظرة إيمانية للصراع الدرامي والشخصية في الأدب المسرحي".
-فازت مسرحيته "الرجل الذي قال" بالجائزة الأولى في المسابقة الأدبية التي نظمتها وزارة الشباب (1977م)، وفازت قصته القصيرة "ثرثرة في المدرج" بالجائزة الثالثة في المسابقة نفسها.
-فاز بالجائزة الثالثة في مسابقة يوم الأرض التي نظمها المجلس الأعلى للثقافة (1977م) ببحثه "شعر المقاومة والنضال في الأدب الفلسطيني الحديث".
-فازت قصيدته "ترنيمة إلى سيناء" بالجائزة الثالثة في مسابقة المجلس الأعلى للثقافة للإبداع الشعري (1982م).
-رشَّحته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1997م، لجائزة أبها في النقد الأدبي عن كتابه «جماليّات القصة القصيرة»..
-رشَّحته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 2001م، لجائزة جامعة الملك عبد العزيز عن مسرحيته الشعرية «الفتى مهران 99».
-رشَّحته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 2004م، لجائزة الملك عبد الله الثاني عن مجمل أعماله الشعرية.

المؤلفات المنشورة:

أ-شعر:
1-السقوط في الليل، القاهرة-دمشق 1977م، ط2، الإسكندرية 1999م.
2-ثلاثة وجوه على حوائط المدينة، القاهرة 1979م، ط2، الإسكندرية 1999م.
3-شجرة الحلم، القاهرة 1980م.
4-أوراق من عام الرمادة، الزقازيق 1980م.
5-الحلم والأسوار، القاهرة 1984م. ط2، الزقازيق 1996م.
6-الرحيل على جواد النار، القاهرة 1985م. ط2، الزقازيق 1996م.
7-حدائق الصوت، الزقازيق 1993م.
8-غناء الأشياء، الزقازيق 1997م، ط2-القاهرة 2002م.
9-النائي ينفجر بوحاً، الإسكندرية 2000م.
10-رحيل الظلال، المنصورة 2003م.
ب-مسرحيات شعرية:
11-الرجل الذي قال، الزقازيق 1983م.
12-الباحث عن النور، القاهرة 1985م، ط2-الزقازيق 1996م.
13-الفتى مهران 99 أو رجل في المدينة، الإسكندرية 1999م.
14-بيت الأشباح، الإسكندرية 1999م.
15-سهرة مع عنترة، المنصورة 2001م.
16-الزلزال، المنصورة 2001م
ج-شعر قصصي للأطفال:
17-الأميرة والثعبان، القاهرة 1977م.
18-مذكرات فيل مغرور، عمَّان 1993م.
د-قصص قصيرة:
19-أحلام البنت الحلوة، الإسكندرية 1999م، ط2-المنصورة 2001م.
هـ-دراسات أدبية:
20-عوض قشطة: حياته وشعره، المنصورة 1976م.
21-القرآن .. ونظرية الفن، القاهرة 1979م. ط2، القاهرة 1992م.
22-دراسات معاصرة في المسرح الشعري، القاهرة 1980م، ط2، المنصـورة 2002م.
23-البطل في المسرح الشعري المعاصر، القاهرة 1991م، ط2- الزقازيق 1996م، ط3-الإسكندرية 2000م.
24-شعر محمد العلائي: جمعا ودراسة، الزقازيق 1993م، ط2- الزقازيق 1997م.
25-جماليات القصة القصيرة، القاهرة 1996م.
26-التحرير الأدبي، الرياض 1996م، ط2- الرياض 2000م، ط3- الرياض 2001م.
27-سفير الأدباء: وديع فلسطين، القاهرة 1998م، ط2- القاهرة 1999م، ط3- الإسكندرية 2000م.
28-المسرح الشعري عند عدنان مردم بك، القاهرة 1998م.
29-كتب وقضايا في الأدب الإسلامي، الإسكندرية 1999م.
30-صورة البطل المطارد في روايات محمد جبريل، الإسكندرية 1999م.
31-من وحي المساء (مقالات ومحاورات)، الإسكندرية 1999م.
32-الأدب العربي الحديث: الرؤية والتشكيل، الإسكندرية 1999م، ط2-الإسكندرية 2000م، ط3- الإسكندرية 2001م، ط4-الرياض 2002م.
33-دراسات نقدية في أدبنا المعاصر، الإسكندرية 2000م.
34-مراجعات في الأدب السعودي، الإسكندرية 2000م.
35-شعر بدر بدير: دراسة موضوعية وفنية، الإسكندرية 2000م.
36-تجربة القصة القصيرة في أدب محمد جبريل، المنصورة 2001م.
37-في الأدب المصري المُعاصر، القاهرة 2001م.
38-أصوات مصرية في الشعر والقصة القصيرة، المنصورة 2002م.
39-مقالات في الأدب العربي المُعاصر، المنصورة 2003م.
و-دراسات (بالاشتراك):
40-خليل جرجس خليل شاعراً، القاهرة 1978م.
41-محمد جبريل وعالمه القصصي، الزقازيق 1982م، (تحرير).
42-قراءات في أدب محمد جبريل، الزقازيق 1984م، (تحرير).
43-زكي مبارك، القاهرة 1991م.
44-دراسات في النص الأدبي العصر الحديث، ط5، الإسكندرية 2001م.
45-فن المقالة، ط4، الزقازيق 2000م، ط5، القاهرة 2001م.
46-إبراهيم سعفان مبدعاً وناقداً، الإسكندرية 2000م (تحرير).
47-حسني سيد لبيب: سيرة وتحية، المنصورة 2001م (تحرير).
48-الرؤية الإبداعية في شعر عبد المنعم عوّاد يوسف، المنصورة 2002م.
ز-أبحاث مُحكّمة:
49-شاعرية علي الجارم، مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق، 1994م.
50-جوانب مضيئة من الأدب الإسلامي في العصر الحديث، مجلة جامعة الإمـام محمد بن سعود الإسلامية (العدد 15)، شعبان 1416هـ.
51-الاتجاه الإسلامي في شعر محمد مصطفى الماحي، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية (العدد 18)، ذو القعدة 1417هـ.
52-تغريد الطائر الآلي: الرؤية والأداة، مجلة "البيان"، العدد (330)، يناير 1998م.
53-الاتجاه الوجداني قي شعر بدر بدير، مجلة كلية اللغة العربية بالمنصـورة (العدد 19)، لعام 1420هـ-2000م.
54-الشعر في المسرح النثري (1875-1932م)، مجلة كلية اللغة العربية بالمنصورة (العدد 20)، لعام 1422هـ-2001م.
55-تجربة القصة القصيرة في أدب محمد جبريل: دراسة أدبية تحليلية، مجلة كلية اللغة العربية بالمنصورة (العدد20)، لعام 1422هـ-2001م.
56-رواية «ملكة العنب» لنجيب الكيلاني: دراسة أدبية تحليلية، مجلة كلية اللغة العربية بالزقازيق (العدد21)، لعام 1421هـ-2001م.
57-مجموعة «عسل الشمس» لفؤاد قنديل: دراسة موضوعية وفنية، مجلة «عالم الكتب»، مج23، ع1-2، رجب، وشعبان، ورمضان وشوال 1422هـ.
58-الحوار في مسرحية «السلطان الحائر» لتوفيق الحكيم: دراسة فنية تحليلية، مجلة «عالم الكتب»، مج23، ع3-4، ذو القعدة، وذو الحجة 1422هـ، والمحرم ، وصفر 1423هـ.
59-الحدث في الرواية السياسية (دراسة أدبية تحليلية لرواية «الأسرى يُقيمون المتاريس» لفؤاد حجازي)، مجلة كلية اللغة العربية بالمنصورة (العدد22)، لعام 1424هـ-2003م.

أدب الأطفال:

-أصدر عام 1977م قصة شعرية للأطفال بعنوان "الأميرة والثعبان".
-نشر في ديوان "الحلم والأسوار" (المجلس الأعلى للثقافة، 1984م) ثلاث قصص شعرية للأطفال.
-تناول الدكتور أحمد زلط هذه القصص في رسالته للدكتوراه "شعر الطفولة في الأدب المصري الحديث" (كلية الآداب، بنها- جامعة الزقازيق، 1990م).
-كما تناولها الشاعر أحمد سويلم في كتابه أطفالنا في عيون الشعراء" (الصادر في سلسلة "اقرأ" عن دار المعارف بمصر).
-صدر له عام 1985م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان "الرحيل على جواد النار"، وفيه مسرحية شعرية للفتيان بعنوان "الباحث عن النور: أبو ذر الغفاري" (ص ص 70-75)، وقد أُعيدت طباعة الديوان عام 1996م.
-صدرت له عام 1993م مجموعة شعرية للأطفال بعنوان: "مذكرات فيل مغرور" عن رابطة الأدب الإسلامي العالمية بمشاركة دار البشير-عمَّان، الأردن. وقد كُتبت عنها دراستان: الأولى بقلم الدكتور أحمد زلط في كتابه "في جماليات النص" (الشركة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة ط1، 1996م). والثانية بقلم الشاعر أحمد فضل شبلول في كتابه "جماليات النص الشعري للأطفال" (الشركة العربية للنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1996م).
وقد درّس الدكتور أحمد زلط بعض نصوصها في مادة "أدب الأطفال" في كلية التربية النوعية ببور سعيد، وفي كليات المعلمين بالمملكة العربية السعودية.

في مرآة النقد:

1-صدر عنه كتاب «نظرات نقدية في ثلاث مسرحيات شعرية لحسين علي محمد» للدكتور أحمد زلط، دار هبة النيل، القاهرة 2001م.
2-صدر عنه كتاب: «حسين علي محمد: ملف إبداعي ونقدي»، كتاب «أصوات معاصرة»، الزقازيق 1994م.
3-كُتبت عن شعر حسين علي محمد دراسات بأقلام الأساتذة والدكاترة:
إبراهيم سعفان، وأحمد دوغان، وأحمد زرزور، وأحمد زكي عبد الحليم، وأحمد زلط، وأحمد سويلم، وأحمد فرّاج، وأحمد فضل شبلول، وأحمد محمود مبارك، وإسماعيل عامود، وبدر الدين شمُّو، وبدر بدير، وبهي الدين عوض، وحامد أبو أحمد، وحسن البنا عز الدين، وحسني سيد لبيب، وحلمي محمد القاعود، وحمد بن ناصر الدخيِّل، وخليل أبو ذياب، وخليل جرجس خليل، ورزق هيبة، ورعد عبد القادر، والسعيد الورقي، وصابر عبد الدايم، وطه وادي، وعامر محمد بحيري، وعبد الجواد المحص، وعبد الرحمن شلش، وعبد الرزاق الهلالي، وعبد الستار خليف، وعبد العزيز الدسوقي، وعبد العزيز الزير، وعبد الكريم دندي، وعبد الكريم رجب، وعبد الله الحيدري، وعبد الله مهدي، وعبُّود كنجو، وعدنان مردم بك، وعزت جاد، وعزت الطيري، وعلي عبد العظيم، وعلي عشري زايد، وعلي مطاوع، وعنتر مخيمر، وفاروق أباظة، وماهر قنديل، ومجدي محمود جعفر، ومحمد إبراهيم أبو سنة، ومحمد حماسة عبد اللطيف، ومحمد زين جابر، ومحمد بن سعد بن حسين، ومحمد سليم الدسوقي، ومحمد صالح الشنطي، ومحمد خير البقاعي، ومحمد زيدان، ومحمد زين جابر، ومحمد سعد بيومي، ومحمد سليم الدسوقي، ومحمد عبد الحليم غنيم، ومحمد عبد الواحد حجازي، ومحمد العدناني، ومحمد علي داود، ومحمد بن علي الهرفي، ومحمد منوّر، ومحمود الديداموني، ومسعد بن عيد العطوي، ومصطفى نجا، ومصطفى النجار، وملك عبد العزيز.












الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
حصريا : أبحاث مؤتمر أصوات معاصرة على مراجع خارجي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 2انتقل الى الصفحة : 1, 2  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
مراجع خارجى  :: القسم الأدبى :: الدراسات الأدبية-
انتقل الى: